سبعة عشر هدفًا تكشف المستور.. هل أصبحت كرة القدم النسائية في السودان بوابة للفساد الرياضي؟
بقلم: الناجي حسن صالح

سبعة عشر هدفاً! لا سبعة، ولا عشرة، بل سبعة عشر! أي لو اكتفت كل لاعبة بهدف، لبقيت ستة أهداف زائدة تنتظر عين الحسود.
لكن لنكن صريحين.. المشكلة ليست في الفتيات، فهن ضحايا. المشكلة في النظام الرياضي السوداني الذي يتعامل مع كرة القدم النسائية كما يتعامل المحتال مع شركة وهمية.. شركة مسجلة فحسب، ليأتي التمويل.
لنرى كيف يبنى (منتخب) نسائي في السودان؟
الخطوات بسيطة:
1/ تتصل لجنة ما بـ(مدرب) ما (غالباً صاحب معارف، أو صاحب صاحب معارف).
2/ تجمع ثماني عشرة فتاة من هنا وهناك. لا يهم إن كن يلعبن الكرة من قبل أو لم يفعلن.
3/ تلتقط صورة جماعية، وتنشر في الصحف والوسائط: (منتخب السودان للسيدات يغادر إلى المغرب).
4/ يفتتح (معسكر) في فندق نجمتين، يتقاسمن فيه الغرف والحمام.
5/ ترسل الفواتير.
وما الباقي؟ الباقي (قضاء الله وقدره) – أي سبعة عشر هدفاً.
للفيفا برنامج اسمه (التمكين)، وآخر اسمه (التطوير)، وثالث اسمه (المرأة في كرة القدم). أرقام خيالية تتدفق. لكن السؤال: إلى أين تذهب؟
في بلادنا، الفيفا ليس جهة رياضية. عندنا الفيفا جهة مالية. كالبنك المركزي، لكن للرياضة. والمنتخبات النسائية؟ هي بطاقات الصراف الآلي. تسحب منها الأموال، لتنفق على (إداريين) و(إعلاميين) و(وفود) و(تنقلات) و(بدلات يومية).
أما الفتيات اللاتي يلعبن؟ هن البطاقة البلاستيكية نفسها.. مهمشات، مضحوك عليهن، ومرسلات إلى المذبحة الرياضية ليكتمل المشهد.
سبعة عشر هدفاً… في مرمى من؟
لو تأملنا قليلاً، أهو الهدف السابع عشر في مرمى حارسة منتخب السودان؟ أم في مرمى (النظام) الذي يستخدم الرياضة النسائية غطاء للنهب المالي؟
هذا المنتخب مشروع فاشل بامتياز، لكن الفشل هنا ليس عيباً.. الفشل هنا غاية. لأن الفشل يجلب (تقارير)، والتقارير تجلب (مخصصات إضافية)، والمخصصات تجلب (لجاناً)، واللجان تجلب (بدلات)، والبدلات تجلب (عمارات) و(سيارات) و(حسابات بنكية).
سبعة عشر هدفاً تساوي سبعة عشر مليون عذر لـ(نحتاج دعماً أكبر)، (نحتاج معسكرات خارجية)، (نحتاج مدرباً أجنبياً)، (نحتاج… أي شيء وكل شيء).
وكلما زادت الأهداف، زادت (الاحتياجات)، وزادت (المخصصات)، وزادت (كعكات المال السايب).
هي ليست ألمانيا، ولا البرازيل، ولا حتى نيجيريا. جزر القمر! دولة جزرية صغيرة، عدد سكانها أقل من حي الكلاكلة في الخرطوم. ومع ذلك، منتخبها للسيدات لعب كرة، ونظم، وخطط، وسجل سبعة عشر.
نحن؟ نحن سجلنا صفراً .. صفر أهداف، صفر تكتيك، صفر احتراف، صفر إعداد. لكن في العمود المالي؟ سجلنا كل الأرقام المطلوبة. والحمد لله على نعمة (الإكسل).
كرة القدم النسائية في السودان لم تكن رياضة يوماً، هي صناعة (كيف نجلب الأموال من الفيفا) وهي رياضة تقع بين الوهم والنهب. والمنتخبات النسائية فرقاً تمثيلية، تمثل الدولة في الصور الرسمية، وتمثل (الإنجازات الوهمية) في التقارير، وتمثل (الشفافية) في اجتماعات اللجان البائسة.
أما على أرض الملعب؟ تمثل الكارثة.
والأخطر أن هؤلاء الفتيات ضحايا مرتين. مرة لأنهن يستخدمن وقوداً لآلة فاسدة. ومرة أخرى لأنهن يتحملن العار الإعلامي والاجتماعي، بينما من سرق المخصصات يضحك في بيته.
بدلاً من إرسال منتخب إلى المنافسات الدولية لنفشل ونعود، ألا نقيم بطولة داخلية وهمية؟ نجمع الأموال، نعد تقارير مزورة، نلتقط صوراً، ونرسل إلى الفيفا. النتيجة نفسها (صفر) لكن على الأقل لا (نبهدل) الفتيات أمام العالم.
لأن ما يجري الآن ليس كرة. بل هو (كشف حساب) رياضي، والضحية معلوم، والمستفيدون، يعرفون أنفسهم.

