الكفيفة بين الطموح وحواجز الواقع.. حين يصبح الطريق إلى العمل معركة يومية
مروة أرباب تروي تجربتها مع فقدان فرصة عمل بسبب صعوبات التنقل

مروة أرباب تكتب | صوت الوطن نيوز
لم تكن تحلم بوظيفة مستحيلة، ولم تكن تطلب امتيازات خاصة، بل أرادت فرصة عمل تثبت من خلالها قدراتها، وتحقق استقلالها المهني، وتكون جزءًا فاعلًا في المجتمع. كانت مستعدة للعمل، وتمتلك الطموح والرغبة في العطاء، لكن فرصة كانت تنتظرها انتهت قبل أن تبدأ، لا بسبب نقص في مؤهلاتها، وإنما لأن الوصول إلى مقر العمل بدا مهمة تفوق إمكاناتها المتاحة.
هكذا وجدت نفسي أمام واقع صعب عندما أتيحت لي فرصة للعمل مع إحدى المنظمات. فبمجرد مناقشة طبيعة العمل، أوضح القائمون على المنظمة أن العمل عن بُعد غير ممكن، وأن الحضور إلى مقر المنظمة أمر ضروري. لم تكن لدي سيارة خاصة، ولم يكن هناك مرافق يمكنني الاعتماد عليه للوصول إلى مكان العمل بصورة منتظمة وآمنة. وهكذا، وجدت نفسي أمام عائق لم يكن مرتبطًا بقدرتي على أداء المهام، بل بظروف التنقل والبيئة المحيطة.
كانت خسارة هذه الفرصة أكثر من مجرد فقدان وظيفة؛ فقد كشفت لي حجم الحواجز التي يمكن أن تقف أمام المرأة الكفيفة في طريق تحقيق استقلالها المهني. وجعلتني أتساءل: كم من امرأة كفيفة تمتلك المؤهلات والقدرات، لكنها تفقد فرصتها لأن الطريق إلى العمل غير مهيأ لها؟
فرص ضائعة بسبب حواجز يمكن تجاوزها
إن تجربة فقدان فرصة العمل ليست مجرد موقف شخصي عابر، بل تعكس تحديًا أوسع تواجهه كثير من النساء ذوات الإعاقة البصرية. فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في الكفاءة أو القدرة على الإنجاز، وإنما في غياب الترتيبات التي تساعدهن على الوصول إلى الفرص المتاحة والاستفادة منها.
كم من فرصة يمكن أن تضيع لأن بيئة العمل لا توفر المرونة المناسبة؟ وكم من امرأة تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين التخلي عن طموحها المهني والبقاء في المنزل، ليس لأنها لا تستطيع العمل، بل لأنها لا تستطيع الوصول إلى مكان العمل بأمان واستقلالية؟
إن إتاحة الفرص الحقيقية للأشخاص ذوي الإعاقة لا تتحقق بمجرد الإعلان عن الوظائف أو الحديث عن التمكين، بل تتطلب النظر إلى العقبات العملية التي تحول دون مشاركتهم. وقد يكون توفير خيارات للعمل عن بُعد، أو تهيئة وسائل النقل، أو اعتماد ترتيبات عمل مرنة، خطوة مهمة نحو تحويل فرص العمل من مجرد إعلانات إلى واقع يمكن الوصول إليه.
الخروج من المنزل.. رحلة محفوفة بالقلق
ولا تقف المعاناة عند حدود فرص العمل وحدها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد أصبحت أشعر بالخوف من الخروج بمفردي، بسبب الصعوبات والمخاوف المرتبطة بالتنقل في بيئة لا تراعي دائمًا احتياجات الأشخاص فاقدي البصر.
حين تكون الطرق غير مهيأة، ووسائل المواصلات لا تراعي احتياجات المكفوفين، يصبح الخروج من المنزل مصدر قلق بدلًا من أن يكون ممارسة طبيعية لحق أساسي. وتزداد المخاوف عندما تجد المرأة نفسها في موقف تحتاج فيه إلى المساعدة، دون أن تضمن الحصول على مساعدة آمنة، أو حين تخشى أن يستغل أحدهم حاجتها إليها.
إن حق الإنسان في التنقل لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بوجود مرافق يرافقه في كل خطوة، كما لا ينبغي أن تتحول أبسط الأنشطة اليومية، مثل الذهاب إلى العمل أو قضاء الاحتياجات الشخصية، إلى تحديات تتطلب قدرًا كبيرًا من الخوف والحذر.
فالاستقلالية ليست رفاهية بالنسبة إلى المرأة الكفيفة، بل جزء أساسي من كرامتها وقدرتها على إدارة حياتها واتخاذ قراراتها بنفسها.
هل تكفي الشعارات لتحقيق الدمج؟
في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تمكين المرأة وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم في سوق العمل، تظل هناك فجوة بين ما يُقال وما يعيشه كثيرون على أرض الواقع.
فالتمكين الحقيقي لا يعني التعامل مع المرأة الكفيفة بوصفها شخصًا يحتاج إلى الشفقة، ولا يقتصر على الاحتفاء بقصص النجاح الاستثنائية، بل يبدأ بالاعتراف بحقها في الحصول على الفرص، وبضرورة إزالة الحواجز التي تمنعها من الاستفادة منها.
كما أن الدمج لا يتحقق بمجرد قبول الأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات، وإنما يتطلب بيئة عمل تراعي احتياجاتهم، وسياسات مرنة تتيح لهم أداء مهامهم، ووسائل تنقل أكثر أمانًا، ومجتمعًا يتعامل معهم باعتبارهم أفرادًا قادرين على المشاركة والإنتاج.
ولا يعني ذلك أن كل وظيفة يجب أن تكون عن بُعد، أو أن متطلبات الحضور إلى مقر العمل غير مشروعة، بل يعني ضرورة البحث عن حلول عملية ومعقولة، كلما أمكن، حتى لا تتحول متطلبات يمكن التعامل معها إلى أسباب للإقصاء.
رسالتي ليست شكوى.. بل دعوة إلى التغيير
حين أتحدث عن تجربتي، لا أفعل ذلك من باب الشكوى وحدها، وإنما لأنني أؤمن بأن الحديث عن هذه الحواجز هو الخطوة الأولى نحو تغييرها.
أنا لا أطلب أن تُمنح لي فرصة لمجرد أنني كفيفة، بل أريد أن تكون لدي فرصة حقيقية أستطيع من خلالها إثبات قدراتي، وأن يُنظر إليّ باعتباري إنسانة تمتلك الطموح والاستعداد للعمل، لا باعتباري عاجزة بسبب ظروف يمكن للمجتمع والمؤسسات المساهمة في تجاوزها.
أريد أن أتمكن من الذهاب إلى العمل دون أن يكون غياب المرافق سببًا في ضياع مستقبلي المهني، وأن أخرج من المنزل دون أن يلازمني الخوف من الطريق أو من المواقف التي قد أتعرض لها. أريد أن أعيش باستقلالية وكرامة، وأن أحصل على حقي في المشاركة والإنتاج، مثل غيري من أفراد المجتمع.
إن المرأة الكفيفة لا تحتاج إلى أبواب تُفتح لها بدافع الشفقة، بل إلى أبواب لا تُغلق في وجهها بسبب حواجز يمكن تجاوزها. ولا تحتاج إلى كلمات جميلة عن التمكين بقدر حاجتها إلى إجراءات عملية تجعل هذا التمكين ممكنًا.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل تستطيع المرأة الكفيفة العمل؟ بل: هل هيّأنا لها الظروف التي تسمح لها بالعمل؟
إن الطموح لا يفقد قيمته بسبب فقدان البصر، والقدرات لا تختفي لأن الطريق غير مهيأ. لكن الفرص قد تضيع حين يصر المجتمع على إبقاء الحواجز قائمة.
وما أتمناه ليس أن يُنظر إلى تجربتي باعتبارها قصة معاناة فحسب، بل أن تكون دعوة إلى مراجعة واقع النساء الكفيفات، والعمل من أجل بيئة أكثر أمانًا وعدالة، تتيح لهن الوصول إلى فرص العمل والمشاركة في الحياة العامة دون خوف أو إقصاء.
فالحق في العمل لا ينبغي أن يتوقف عند باب المنزل، والاستقلالية لا ينبغي أن تكون امتيازًا لا يناله إلا من يستطيع الوصول إلى الطريق وحده.




