عودة مراكز الجامعات بالخارج.. بين تصحيح القرار ومعاناة الأسر.. من ينصف الطلاب وأولياء الأمور؟
بقلم _ناهد عباس

أثار قرار رئيس مجلس الوزراء بعودة مراكز الجامعات السودانية بالخارج إلى العمل، إلى حين توفيق أوضاعها وفقاً للضوابط والاشتراطات المعتمدة، جدلاً واسعاً بين مؤيد يرى فيه فرصة لمعالجة أوضاع الطلاب، ومعارض يعتبره تراجعاً عن قرار سابق بإغلاق تلك المراكز، ويطرح تساؤلات جوهرية حول المؤسسية والتخطيط في إدارة ملف التعليم العالي.
وبين هذا الرأي وذاك، هناك طرف ثالث ربما يكون الأكثر استحقاقاً للاهتمام، لكنه الأقل حضوراً في الجدل الدائر: الطلاب وأسرهم الذين أعادوا ترتيب حياتهم على أساس العودة إلى السودان، ونفذوا القرار فعلياً، ودفعوا ثمنه من استقرارهم ومدخراتهم وراحة أبنائهم.
قرار العودة.. فرحة للبعض وقلق للبعض الآخر
لا يمكن قراءة القرار الأخير بمعزل عن الظروف التي سبقت صدوره. فقد ظل ملف عودة الجامعات ومراكزها الخارجية محل نقاش، في وقت كان فيه كثير من أولياء الأمور يطالبون بمراعاة أوضاع أبنائهم، والتريث في تنفيذ قرار الإغلاق، إلى حين تهيئة البيئة الجامعية والسكنية المناسبة داخل السودان.
في المقابل، هناك من يرى أن استمرار المراكز الخارجية، وفق الضوابط المعتمدة، قد يمنح بعض الأسر فرصة لمواصلة تعليم أبنائها في أماكن إقامتهم الحالية، ويخفف عنها أعباء الانتقال والاستقرار من جديد في بلد لا تزال الحرب تلقي بظلالها على الخدمات والسكن والمعيشة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا عن الأسر التي استجابت لقرار العودة قبل صدور التوجيه الجديد؟
ماذا عن أب باع أثاث منزله، وأنهى عقد إيجاره، وسوّى التزاماته في البلد الذي كان يقيم فيه، ثم عاد بأسرته وأبنائه إلى السودان، معتقداً أن قرار إغلاق المراكز نهائي ولا رجعة فيه؟
وماذا عن أسرة قطعت شوطاً في ترتيبات السفر، وأنفقت ما تبقى لديها من مدخرات على تذاكر الانتقال والإجراءات، ثم وجدت نفسها أمام واقع جديد لم يكن في حساباتها؟
هذه الأسر لا يمكن مطالبتها ببساطة بأن تعود إلى حيث كانت، فالحياة لا تُدار بزرٍّ يمكن الضغط عليه لإعادة كل شيء إلى وضعه السابق. الإيجار الذي أُنهي قد لا يكون متاحاً مجدداً، والأثاث الذي بيع لا يمكن استرداده بالضرورة، والمدخرات التي أُنفقت لا تعود بمجرد صدور قرار جديد.
إن تغيير القرارات قد يكون حقاً للسلطة المختصة، لكن مسؤولية الدولة تقتضي أن تنظر أيضاً إلى كلفة التغيير على المواطنين الذين وثقوا في قراراتها ورتبوا حياتهم على أساسها.
بين سلطة القرار ومبدأ المؤسسية
من ناحية أخرى، فإن توجيه رئيس مجلس الوزراء باستمرار عمل المراكز الخارجية، إلى حين توفيق أوضاعها وفق الضوابط والاشتراطات المعتمدة، يستحق قراءة متأنية بعيداً عن التسرع في وصفه بالتصحيح أو التخبط.
فعبارة «وفقاً للضوابط والاشتراطات المعتمدة» ليست تفصيلاً عابراً؛ إذ يفترض أن استمرار أي مؤسسة تعليمية يجب أن يرتبط بمدى استيفائها المتطلبات الأكاديمية والعلمية والإدارية اللازمة، بما في ذلك التدريب العملي والمعامل والمستشفيات التعليمية، حيثما كانت مطلوبة، إلى جانب ضوابط الحضور والتعليم الإلكتروني والاعتماد الأكاديمي.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد إبقاء المراكز مفتوحة أو إغلاقها، بل ضمان تعليم جامعي معترف به، يحفظ للطالب حقه في الحصول على تأهيل علمي حقيقي، ويصون سمعة الشهادات الجامعية السودانية داخل البلاد وخارجها.
ومن هنا، فإن القرار الجديد لا يعني بالضرورة السماح لكل المراكز بالعمل دون قيد، كما لا يكفي وحده للحكم على نجاح سياسة العودة أو فشلها. فالعبرة بما ستكشف عنه الضوابط التنفيذية، ومدى وضوحها وعدالتها، وكيفية تطبيقها على المؤسسات والطلاب.
غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في الطريقة التي تُدار بها القرارات المصيرية. فإذا كان قرار الإغلاق قد صدر بعد دراسة مستفيضة، فلماذا لم تُحسم جميع جوانبه قبل الشروع في تنفيذه؟ وإذا ظهرت مستجدات استدعت مراجعته، فلماذا لم تُعلن للرأي العام بوضوح، مع بيان الأسباب والآثار المتوقعة؟
إن احترام المؤسسية لا يعني التمسك بالقرار الخاطئ لمجرد أنه صدر، كما لا يعني تغيير القرارات دون توضيح. المؤسسية الحقيقية هي أن تستند القرارات إلى دراسات واضحة، وأن تُعلن أسبابها، وأن تُدار مراجعتها بمسؤولية وشفافية.
هل يتحمل وزير التعليم العالي مسؤولية التراجع؟
أثار القرار تساؤلات حول موقف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور مضوي إبراهيم، خصوصاً في ظل ما نُسب إلى الوزارة من تأكيدات سابقة بشأن نهائية قرار الإغلاق وإلزام المؤسسات التعليمية به.
ويرى بعض المتابعين أن صدور توجيه جديد من رئيس مجلس الوزراء يغيّر مسار الملف يضع الوزير أمام موقف صعب، وقد يدفع إلى التساؤل عن مدى التنسيق بين رئاسة الحكومة والوزارة المختصة.
في المقابل، يرى آخرون أن الدعوة إلى استقالة الوزير ليست بالضرورة الحل الأمثل، وأن من الواجب منحه الفرصة لاستكمال الملفات التي تعمل عليها الوزارة، ومحاسبة المسؤولين على أساس الأداء والنتائج، لا على أساس اختلاف المواقف وحده.
ومن الإنصاف كذلك ألا نحكم على خلفيات القرار دون معلومات موثقة؛ فلا يصح الجزم بأنه جاء لإحراج الوزير، أو استجابة لضغوط أصحاب الجامعات الخاصة، أو نتيجة عجز الحكومة عن استيعاب العائدين، ما لم تتوافر أدلة واضحة على ذلك.
أما إذا كان الوزير قد بذل جهداً في تنظيم مؤسسات التعليم العالي وضبط القبول والرقابة على المؤسسات الخاصة ومعالجة أوجه القصور والفساد، فإن هذه الملفات ينبغي أن تُقيّم وفق نتائجها، تماماً كما ينبغي تقييم إدارته لملف المراكز الخارجية.
فاستقالة الوزير ليست غاية في ذاتها، وبقاؤه ليس حصانة من المساءلة. المعيار هو قدرة الوزارة على إدارة الملف بما يحقق مصلحة الطلاب، ويحافظ على جودة التعليم، ويمنع تكرار القرارات المتضاربة.
الأهالي الذين عادوا.. من يعوضهم عن خسائرهم؟
هنا نصل إلى جوهر القضية، وهو الجانب الذي ينبغي ألا يضيع وسط السجال السياسي والإداري.
قد تختلف الأسر في موقفها من قرار العودة إلى السودان؛ فبعضها رحّب به، وبعضها فضّل بقاء أبنائه بالخارج، وبعضها اضطر إلى العودة لاعتقاده أن البدائل لم تعد متاحة. لكن ما يجمع كثيراً من هذه الأسر أنها اتخذت قراراتها بناءً على المعلومات والتوجيهات التي كانت معلنة في حينها.
ولذلك، فإن الأسرة التي أنهت إيجار منزلها وباعت أثاثها استعداداً للعودة ليست مجرد رقم ضمن إحصاءات العائدين. إنها أسرة تحملت كلفة قرار عام، ورتبت شؤونها وفق ما اعتقدت أنه توجه نهائي للدولة.
ولا يمكن افتراض أن كل من عاد يستطيع السفر مجدداً، أو أن كل من باع ممتلكاته قادر على شراء بدائل، أو أن كل أسرة تستطيع تحمّل مصروفات الإقامة والدراسة في الخارج بعد أن أنفقت مواردها على العودة.
كما أن إعادة فتح المراكز، إن تمت وفق الضوابط، لا تعني بالضرورة أن الطلاب العائدين سيتمكنون من الرجوع إليها؛ فذلك يرتبط بأوضاعهم المالية، وإمكانية السفر، والسكن، والإجراءات الأكاديمية، ومدى توفر مقاعد لهم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء القرار الجديد إرضاءً لفئة، ولا فرض العودة على الجميع إرضاءً لفئة أخرى، وإنما وضع معالجة عملية تراعي اختلاف ظروف الأسر.
يمكن أن تبدأ هذه المعالجة بحصر أوضاع الطلاب الذين عادوا بالفعل، وتحديد احتياجاتهم الأكاديمية، وإتاحة خيارات انتقالية واضحة لهم، بما يشمل استمرار الدراسة داخل السودان لمن يرغب ويستطيع، وتوضيح فرص استكمال الدراسة عبر المراكز الخارجية للمؤهلين لذلك وفق الضوابط، مع مراعاة الاعتراف بالساعات الدراسية والامتحانات والتدريب العملي.
كما ينبغي أن تعلن الوزارة جدولاً زمنياً واضحاً لتوفيق أوضاع المراكز، حتى لا يظل الطلاب وأولياء الأمور معلّقين بين قرارات متغيرة ومواعيد غير مؤكدة.
والأهم من ذلك كله، أن تتواصل الوزارة مباشرة مع الطلاب وأسرهم، بدلاً من تركهم يستقون المعلومات من التصريحات المتفرقة ووسائل التواصل الاجتماعي.
ما المطلوب الآن؟
إن معالجة هذا الملف لا تحتمل مزيداً من الارتباك، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين مؤيدي الوزير ومعارضيه، أو بين أنصار العودة وأنصار استمرار المراكز الخارجية.
المطلوب أولاً إعلان الأسباب التي استدعت مراجعة القرار السابق، وتوضيح ما إذا كان التوجيه الجديد يسمح باستمرار جميع المراكز مؤقتاً أم يقتصر على المراكز التي تستوفي شروطاً محددة.
والمطلوب ثانياً نشر الضوابط الأكاديمية والإدارية بصورة واضحة، مع تحديد الجهة المسؤولة عن التقييم، والمدة الممنوحة لتوفيق الأوضاع، والنتائج المترتبة على عدم استيفاء الشروط.
والمطلوب ثالثاً وضع خطة معلنة لاستيعاب الطلاب الذين عادوا إلى السودان، ومراعاة أوضاع الأسر التي أنهت عقود إيجارها وباعت أثاثها وتكبدت خسائر مادية بسبب ترتيبات العودة. وليس من الضروري أن تعني هذه المعالجة تعويضاً مالياً مباشراً في كل حالة، لكنها يجب أن تضمن عدم ترك هذه الأسر وحدها في مواجهة نتائج قرارات متغيرة، وأن توفر لها حلولاً تعليمية واقعية ومعلومة.
وأخيراً، فإن على رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي أن تتعاملا مع الملف باعتباره قضية تعليمية وإنسانية ووطنية، لا مجرد خلاف إداري حول صلاحيات الوزير أو رئيس الوزراء.
كلمة أخيرة
إن السودان الذي يسعى إلى التعافي وإعادة بناء مؤسساته لا يحتاج إلى قرارات سريعة بقدر حاجته إلى قرارات مدروسة، ولا يحتاج إلى التمسك بالخطأ بقدر حاجته إلى الاعتراف به وتصحيحه بشفافية.
قد يكون استمرار بعض المراكز الخارجية حلاً مناسباً لطلاب وأسر، وقد تكون العودة إلى الجامعات داخل السودان خياراً أفضل لآخرين. لكن لا يجوز أن تُترك الأسر التي عادت بالفعل، بعد أن باعت أثاثها وأنهت إيجاراتها ودفعت تكاليف انتقالها، لتكتشف أنها تحملت وحدها تبعات مسار لم يعد ثابتاً.
أما البروفيسور مضوي إبراهيم، فإن الحكم على أدائه ينبغي أن يكون وفق ما يقدمه من حلول ونتائج، لا بمجرد المطالبة باستقالته أو الدفاع عنه دون مساءلة.
فالقرار الحكيم ليس الذي ينتصر فيه طرف على آخر، وإنما الذي يحفظ حق الطالب في تعليم جيد، وحق الأسرة في الوضوح والاستقرار، وحق الدولة في حماية سمعة جامعاتها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة واضحة من الجهات المختصة: من ينصف الأسر التي عادت إلى السودان، ورتبت حياتها على قرار الإغلاق، ثم وجدت نفسها أمام قرار جديد يفتح الباب أمام استمرار المراكز الخارجية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي الاختبار الحقيقي لجدية الحكومة في إدارة ملف التعليم العالي بمسؤولية ومؤسسية، بعيداً عن التجاذبات، وقريباً من معاناة الناس.





