قضايا وحوادث

بين ألم المخاض وقسوة المعاملة.. تحقيق يكشف ما يحدث داخل غرف الولادة بالسودان

شهادات لنساء، وآراء أطباء وخبراء، تكشف واقع المعاملة داخل غرف الولادة وتناقش سبل الحد من العنف أثناء الولادة

تحقيق : ناهد عباس

كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحًا داخل أحد مستشفيات الولادة الحكومية، عندما وصلت فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها تخوض أول تجربة ولادة في حياتها. كانت تصرخ من الألم والخوف، بينما كانت طبيبة امتياز مناوبة تستعد لاستقبال الحالة بعد أن تبين لها أن الولادة باتت وشيكة.

توجهت الطبيبة لاستدعاء القابلات، لكن إحداهن رفضت التدخل بحجة أن الحالة ليست ضمن نوبتها، فيما طلبت أخرى من الطبيبة أن تتولى الولادة بنفسها قبل أن تعود للنوم. وبعد محاولات متكررة وافقت إحدى القابلات على الحضور، إلا أن ما جرى داخل غرفة الولادة، بحسب روايات شهود، تجاوز حدود التقصير المهني.

بدأت القابلة، وفق الشهادات، بتوجيه الإهانات للمريضة وصفعها على فخذها وهي تتألم، ثم تكرر الضرب والصراخ أثناء الولادة، قبل أن تطلب من أسرة الفتاة، بعد انتهاء العملية وولادة الطفل بسلام، ما يُعرف محليًا بـ”الحلاوة”، وهو ما استجابت له الأسرة رغم ما تعرضت له ابنتهم.

شهادات متكررة

لم تكن هذه الواقعة الوحيدة. فقد روت طبيبات وطلاب طب ومواطنات تجارب متشابهة داخل عدد من مستشفيات الولادة الحكومية، تحدثن فيها عن تعرض نساء للضرب والإهانة اللفظية أثناء المخاض، ومحاولات بعض الأطباء الاعتراض على تلك الممارسات دون أن تجد استجابة، بل واجه بعضها التوبيخ أو التضييق الإداري.

وفي المقابل، أشادت شهادات أخرى بأداء قابلات في مستشفيات مختلفة قدمن نموذجًا إنسانيًا قائمًا على الاحترام والاحتواء، ما يشير إلى أن المشكلة لا ترتبط بالمهنة نفسها، وإنما بثقافة العمل، والرقابة، والمساءلة.

القابلة زمزم: لا مبرر للعنف

تقول القابلة القانونية زمزم إبراهيم تعمل في مستشفى حكومي منذ أربعة سنوات  إن بيئة العمل في المستشفيات الحكومية تعاني من غياب الخصوصية، حيث تضطر أكثر من مريضة للوجود في المكان نفسه، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حالتهن النفسية ويهدر كرامتهن.

وتوضح أن ضغط العمل كبير، إذ قد تعمل قابلتان فقط خلال الوردية الواحدة، وتشرفان على عدد من الولادات الطبيعية إلى جانب العمليات القيصرية التي قد تتجاوز 12 عملية في الوردية.

ورغم ذلك، تؤكد زمزم أن ضغط العمل لا يمكن أن يكون مبررًا لتعنيف النساء، مضيفة أن القابلة تؤدي رسالة إنسانية، ومن واجبها أن تكون مصدر طمأنينة ودعم للمرأة في أكثر لحظاتها ضعفًا، لا أن تزيد من معاناتها.

وتشير إلى أن القابلات يتلقين تدريبًا أكاديميًا على الدعم النفسي، وأن أخلاقيات المهنة ترفض تمامًا استخدام الضرب أو الإهانة أو الترهيب مهما كانت ظروف العمل، مؤكدة أن التحديات الحقيقية في المستشفيات الحكومية تتمثل في نقص الكوادر، وازدحام المرضى، وضعف بيئة العمل، وهي عوامل تؤثر في جودة الخدمة لكنها لا تبرر الإساءة للمريضات.

ورغم ذلك، تؤكد زمزم أن ضغط العمل لا يمكن أن يكون مبررًا لتعنيف النساء، مضيفة أن القابلة تؤدي رسالة إنسانية، ومن واجبها أن تكون مصدر طمأنينة ودعم للمرأة في أكثر لحظاتها ضعفًا، لا أن تزيد من معاناتها.

وتشير إلى أن القابلات يتلقين تدريبًا أكاديميًا على الدعم النفسي، وأن أخلاقيات المهنة ترفض تمامًا استخدام الضرب أو الإهانة أو الترهيب مهما كانت ظروف العمل، مؤكدة أن التحديات الحقيقية في المستشفيات الحكومية تتمثل في نقص الكوادر، وازدحام المرضى، وضعف بيئة العمل، وهي عوامل تؤثر في جودة الخدمة لكنها لا تبرر الإساءة للمريضات.

انتشار القيصرية

وارجعت القابلة زمزم لجوء بعض النساء إلى الولادة القيصرية دون وجود مبرر طبي أو صحي الي خوف النساء من سوء المعاملة التي يجدنها في بعض المستشفيات من قبل القابلات، حيث أصبحت القيصرية أكثر شيوعًا في الآونة الأخيرة، موضحة أن بعض الحوامل يطلبن إجراء العملية القيصرية بإرادتهن الكاملة، ويوافق الطبيب على ذلك، ليس لدواعٍ طبية، وإنما هربًا من تجارب سلبية يتوقعن التعرض لها أثناء الولادة الطبيعية.

وأضافت أن من أبرز أسباب هذا التوجه الخوف من أسلوب التعامل المهين الذي تمارسه بعض القابلات وأخصائيي النساء والتوليد، إلى جانب افتقار بعض غرف الولادة في المستشفيات الحكومية إلى الخصوصية والاهتمام الكافي بالمريضة، الأمر الذي يدفع بعض النساء إلى تفضيل الولادة القيصرية لتجنب تلك التجارب.

ضغط العمل

من جانبه، قال الطبيب أحمد يوسف يعمل في عدد من المستشفيات الحكومية إن ضرب المرأة أو إهانتها أثناء الولادة لا يُعد جزءًا من أي بروتوكول طبي، ولا يحقق أي فائدة علاجية، مؤكدًا أن التعامل مع الحوامل يجب أن يقوم على التوجيه المهني والاحترام.

وأوضح أن بعض النساء أثناء المخاض قد يحتجن إلى قدر من الحزم والالتزام بالتعليمات الطبية لضمان سلامتهن وسلامة الجنين، إلا أن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال الإهانة أو الاعتداء اللفظي أو الجسدي.

وأشار يوسف إلى أن ضغط العمل يُعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الأطباء والقابلات في أقسام الولادة، مستشهدًا بتجربته في أحد المستشفيات التي كان يعمل بها، حيث كان أربعة أطباء فقط يتولون الإشراف على ستة أسرّة، وهو وضع وصفه بأنه من أفضل الأوضاع نسبيًا مقارنة بعدد من المستشفيات الأخرى في السودان، ومع ذلك كان العمل مرهقًا ويصعب معه متابعة جميع الحالات بالشكل المطلوب.

ضعف الإمكانيات الطبية

وأضاف أن نقص الكوادر الصحية، والارتفاع الكبير في أعداد المراجعات، وضعف الإمكانات الطبية، تمثل عوامل تزيد من الضغوط الواقعة على الطواقم الصحية، وقد تسهم في توتر بعض العاملين، لكنها لا يمكن أن تكون مبررًا للعنف ضد المريضات.

ولفت إلى أن غياب بعض الأجهزة الطبية الأساسية يضاعف العبء على الكادر الطبي، موضحًا أن متابعة نبض الجنين أو تقلصات الرحم يدويًا قد تستغرق وقتًا طويلًا، بينما تؤدي الأجهزة الحديثة المهمة نفسها خلال ثوانٍ، وهو ما ينعكس على سرعة وكفاءة تقديم الرعاية.

وكشف الطبيب أحمد يوسف أن الضغط الشديد داخل بعض المستشفيات الكبرى أدى في بعض الحالات إلى دخول مريضات في مرحلة المخاض دون متابعة مباشرة من الكادر الطبي، نتيجة الازدحام ونقص الكوادر، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه أقسام الولادة الحكومية

خبير نفسي: “العنف التوليدي” يترك جراحًا خفية

ويرى الخبير النفسي واستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم  د. الصادق محمد عبد الحليم صالح أن الإهانات والشتائم التي تتعرض لها بعض النساء أثناء الولادة تمثل شكلًا من أشكال “العنف التوليدي”، وهو مصطلح يستخدم لوصف الإساءات الجسدية والنفسية التي تتعرض لها المرأة خلال الولادة.

ويقول إن المرأة أثناء المخاض تكون في أعلى درجات الهشاشة النفسية، وإن استخدام التخويف أو الإهانة يرفع مستويات التوتر ويزيد الإحساس بالألم، وقد يترك آثارًا نفسية طويلة الأمد، مثل اضطراب ما بعد الصدمة أو اكتئاب ما بعد الولادة.

ويضيف أن هذه الممارسات تمثل نمطًا سلطويًا متوارثًا، لا علاقة له بالتدريب المهني أو أخلاقيات المهنة، وإنما أصبح وسيلة لتفريغ الضغوط على الطرف الأضعف.

كما يرفض اعتبار صمت النساء أو تقبلهن لهذه الممارسات دليلًا على الرضا، موضحًا أن ذلك يمثل “تطبيعًا ثقافيًا” فرضته ظروف الخوف والحاجة إلى الرعاية الطبية.

ودعا وزارة الصحة إلى وضع برامج تدريب وتأهيل إلزامية، وتعزيز الرقابة والمحاسبة داخل أقسام الولادة.

القانون: الاعتداء جريمة

من جانبه، يؤكد المحامي و المستشار القانوني محمد أدم فنجال أن الاعتداء على المرأة أثناء الولادة يُعد جريمة يعاقب عليها القانون السوداني.

وأوضح أن الضرب الذي يسبب إصابة جسيمة أو كسرًا أو نزيفًا يندرج تحت المادة (139) الخاصة بالأذى الجسيم، وتصل عقوبته إلى السجن لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معًا، مع عدم الإخلال بحق المجني عليها في الدية إذا انطبقت شروطها.

وأضاف أن الضرب الذي لا يخلف إصابة جسدية يندرج ضمن المادة (142) الخاصة بالأذى الخفيف، بينما يجرم القانون استخدام القوة أو الإكراه أو ليّ الذراع أو الدفع، كما يعاقب على أفعال الترهيب والتعنيف.

وأكد فنجال أن من حق أي مريضة رفع دعوى جنائية ضد من يعتدي عليها، لكنه أشار إلى أن الإرهاق الجسدي والنفسي بعد الولادة، إضافة إلى غياب الشهود أو الأدلة، تمثل أبرز العوائق التي تمنع كثيرًا من النساء من اللجوء إلى القضاء.

بين الضغط والانتهاك

تكشف الشهادات والإفادات أن المستشفيات الحكومية تواجه تحديات حقيقية تتمثل في نقص الكوادر وارتفاع أعداد المراجعات وضعف الإمكانات، إلا أن المختصين يجمعون على أن هذه الظروف لا تبرر انتهاك كرامة النساء أو تعريضهن للعنف الجسدي أو النفسي.

فالولادة ليست مجرد إجراء طبي، بل لحظة إنسانية فارقة، تستحق فيها كل امرأة أن تُعامل باحترام، وأن تحصل على رعاية تحفظ كرامتها وسلامتها النفسية والجسدية.

ويبقى السؤال مطروحًا:

كم من النساء غادرن غرف الولادة حاملات أطفالهن… لكنهن حملن أيضًا جراحًا نفسية لا يراها أحد؟

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى