مقال الرأي

حين تُعاقَب الجماعة بالجماعة.. السودانيون في مصر بين الأمن والعنصرية

حين يصبح اللون واللهجة دليلاً جنائياً

بقلم الناجي صالح

صرنا إلى زمن تذوي فيه الأوراق الثبوتية كزهور في حر الصحراء، يقف السودانيُّون -أولئك الفارون من جحيم الحرب في بلادهم- موقف المتهم دون جريمة، في مشهد يعيد إنتاج العنصرية بثوب أمني عصري. إن ما يجري في شوارع القاهرة ومدنها المتفرعة لم يكن مجرد حملات تفتيش اعتيادية، بل هي انهيار ممنهج لمبدأ الفردية في الحماية الدولية، وتحول خطير للدولة من حارسة للحقوق إلى سجان جماعي يتقاضى أجرته من مؤسسات دولية تتظاهر بالإنسانية.
لقد بلغت أعداد المعتقلين من السودانيين في مصر خلال العامين الماضيين مئات الآلاف، إذ سجلت المنظمات الحقوقية أكثر من عشرين ألف حالة ترحيل قسري في عام واحد، بينما يقدر الخبراء الأمميون أن الاعتقالات ارتفعت بنسبة تجاوزت المئة في المئة. ومع ذلك، تظل هذه الأرقام مجرد ظلال خافتة لحقيقة أكثر بؤساً، هي أن السوداني بات في الوعي الأمني المصري كياناً مجرداً، لا يحمل اسماً ولا تاريخاً ولا مهنة، بل يحمل فقط لوناً ولهجة يكفيان لإلقائه في عربات مغلقة تتجه نحو السجون والحدود.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في الانتهاك وحده، بل في الطريقة التي يعاد فيها إنتاج الظلم كأمر واقع لا مفرّ منه. فالطبيب والشاب والمسن والمريض والطفل والمرأة – التي لا حول لها ولا قوة، والذين يحملون إقامة نظامية، كل هؤلاء يجدون أنفسهم فجأة في زنازين جماعية، لا لأنهم ارتكبوا ذنباً، بل لأن (جريمة الآخر) – ذلك السوداني الذي دخل بطريقة غير شرعية أو ارتكب مخالفة أو جريمة – قد طالتهم بـ(رائحتها الكريهة). هكذا تسقط الجماعة بالجماعة، وتلغى الفردية في العقاب، في انتهاك صارخ ومخل لمبدأ أساسي في العدالة، هو أن العقوبة تتبع الفاعل لا القبيلة ولا اللون ولا السحنة.
لكن من هو هذا (الآخر) الذي يبرر التعميم؟ إنه في حقيقته ضحية مثلما هو جلاد في آن. فالسوداني الذي يدخل مصر دون أوراق ثبوتية، أو الذي يعمل في سوق سوداء، أو الذي يرتكب جريمة جنائية، يقدم للسلطات المبرر المنتظر والمتأهب للتعميم. غير أن السؤال الذي يُغيّبه الخطاب الأمني هو: كيف يعقل أن تلغى حقوق مليون ونصف المليون إنسان بسبب مخالفات لا تتجاوز نسبتها الواحد في المئة؟ ولماذا يعاقب المحترم الذي يلتزم بقوانين الدولة المضيفة، بذنب من لا يعرفهم ولا يقر بأفعالهم؟
إن الجذور أعمق من مجرد حسابات أمنية. فالأزمة الاقتصادية التي تعصف بمصر، والضغوط الدولية التي تمارسها أوروبا لكبح الهجرة مقابل تمويل مالي، قد حوّلت اللاجئ إلى سلعة تُباع وتشترى في سوق السياسة الدولية. والمفارقة الكبرى أن الاتحاد الأوروبي، الذي يتغنى بحقوق الإنسان، يُموّل هذه الحملات انتقاماً من السودانيين وغيرهم، الذين يجرؤون على عبور حدوده، فيما تتفرج المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي يفترض أن تكون حامية، صامتة أو متواطئة، ممنوعة من دخول مراكز الاحتجاز، غاضة الطرف عن التعذيب والإهمال الطبي في مقرات سرية تنتشر في القاهرة الجديدة ومدينة ٦ أكتوبر.
لقد أصبح القانون المصري الجديد للجوء، الصادر عام ألفين وأربعة وعشرين، أداة حادة للترحيل الجماعي، يمنح السلطات صلاحيات واسعة لإلغاء الحماية دون ضمانات قضائية، متعارضاً صراحة مع مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يعتبر في القانون الدولي خطاً أحمر بالمطلق. وهكذا، بدلاً من أن تكون الدولة حارسة للحقوق، تحولت إلى عصابة تبيع الأمان بالجملة للاتحاد الأوروبي، بينما يدفع السوداني – ذاك الذي آمن بقانون الدولة والتزم به – ثمن هذه الصفقة المشبوهة بكرامته وحريته، بل وإذلاله.
إن ما يعانيه السودانيون اليوم ليس مجرد ظلم موضعي، تضمده الكلمات المعسولة، بل هو انهيار لعقد الحماية الاجتماعي والقانوني. فحين تغلق السلطات ستاً وأربعين مدرسة سودانية، وتحتجز قادة المجتمعات المدنية، بل وتجبرهم على التجسس على مجتمعاتهم، فإنها لا تُطبّق أمناً، بل تفكك نسيجاً مجتمعياً نحتاج إلى تماسكه في أحلك الظروف الاستثنائية. إنها عملية إفراغ معنوي للجالية السودانية هناك، تحولها من كتلة بشرية منتجة إلى أرقام في إحصائيات الترحيل.
لكن هل من مفر؟ هل من سبيل لاستعادة كرامة السوداني دون إفلات المخالف من العقاب؟ إن الحل لا يكمن في الشكوى فحسب، بل في بناء آليات قانونية ومجتمعية تعيد الفردية إلى قلب الحماية.
أولاً: يجب استحداث قضاة إداريين متجولين من جانب سفارتنا (الموقرة) في مراكز الاحتجاز، يقيّمون كل حالة ترحيل فردياً، لتضمن إجراءات قانونية سليمة، مع حق الاستئناف الفوري أمام المحاكم المختصة. فلا يجوز أن يقرر ضابط أمني مصير إنسان سوداني دون رقابة قضائية سودانية.
ثانياً: إنشاء السفارة لنظام رقم موحد (البطاقة الذكية)، يتضمن البيانات الأمنية والقانونية ورقم القضية للطعن في أي إجراء. هكذا نفصل بين الأمن والكرامة، فنعطي الدولة المضيفة أدوات المراقبة دون أن نسلب الإنسان حقه في الوجود الكريم والقانوني.
ثالثاً: عقد يحفظ إنسانية الخلق بين قادة الجالية السودانية والسلطات المصرية، يتضمن آليات تبليغ ذاتي عن المخالفين – للتخفيف من التعميم الأمني- مقابل ضمانات صارمة بعدم الترحيل الجماعي بلا جريرة.
رابعاً: رفع دعاوى أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان، طلباً لإصدار أمر تحفظي لوقف الترحيل القسري فوراً، مع الضغط على الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل الانتهاكات تحت مسمى مكافحة الهجرة غير الشرعية.
خامساً: آلية توزيع الأعباء إقليمياً، من قبل الاتحاد الأوروبي، تلزم الدول الأفريقية الأخرى باستضافة نسبة مئوية من اللاجئين مقابل استثمارات في بنيتها التحتية، فلا تبقى مصر وحدها تدفع ثمن جغرافيا السياسة الدولية.
إن اللجوء ليس هبة تتفضل بها الدولة، بل هو التزام دولي نابع من فشل الإنسانية في حماية مواطنيها. ومبدأُ عدم الإعادة القسرية ليس رفاهية يسّرتها الاتفاقيات، وإنما هو خط أحمر قانوني وأخلاقي، يفصل بين الحضارة والهمجية. فحين نعاقب المحترم بذنب الفاجر، ونرحّل الملتزم بجريرة العابر غير الشرعي، فإننا لا نطبق قانوناً، بل نعيد إنتاج العنصرية البغيضة بأقنعة قانونية.
إن السوداني الملتزم، ذاك الذي يحمل في دواخله سمعة طيبة وإقامة نظامية، يستحق أن تنظر إليه الدولة المصرية بعين الفرد لا بعين الجماعة، وأن تعامله كجارٍ شرّف الدولة بالتزامه، لا كرقم في إحصائية “الأجانب المخالفين”.
فالكرامة حق لا يتجزأ، والعدالة مسؤولية فردية قبل كل شيء، ومن يسكت اليوم عن الظلم ريثما يصل إليه، فليس ببعيد عن أن يصبح ضحيته غداً.. فالإساءة لا تميز بين لون وآخر، ولا تضع اعتباراً لحدود مرسومة بجواز سفر.
مصر التي تبيعنا شعارات الوحدة النيلية بالجملة، هي ذاتها التي تشتري أبناء النيل بالتجزئة.. فتطاردهم في زوايا شوارعها كأنهم جرذان هاربة، ثم تودعهم زنازينها الفندقية الخمس نجوم، مجاناً، مع إفطار مجاني من الذل والإهانة.

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى