
في بريطانيا، تبدأ علامات العيد خجلى بالظهور. تزين القلوب واجهاتها بالابتسامات الخافتة، وتعلو الأصوات في مساجد ساحات المساجد بلهجات عربية متنوعة كأنها أوركسترا لا تتقن التوافق. تفيض أسطح الوجوه بالضيوف المارين، وتحضّر الموائد على عجل، وترفع مكبرات الصوت لتذيع (العيد أحلى مع…).
لكنني، واقفاً عند لحظتي، أشعر أنني أشاهد العيد عبر شاشة تلفاز لا تبث إلا بالأبيض والأسود. أراه، أسمعه، أشم رائحة البرد يتسلل عبر عظامي، لكنني لا أعيشه. إنه هناك، وأنا هنا. قريب جداً، لكنه بعيد كما لو كان يحتفل به على سطح القمر.
يأتيني العيد في السودان على دفعات. أولها نسمة باردة تتسلل عبر الشباك في ليلة العيد، تحمل معها رائحة البخور والعطور الجديدة التي اشترتها أمي بعد الشِدة بأسابيع. أستيقظ على صوت والدي يردد التكبير بصوته المسالم الذي يتحشرج عند (الله أكبر)، فيعلو ويهبط كأنه يتسلق جبلاً.
كانت بيوتنا في السودان لا تملك أبواباً مغلقة في صباح العيد. كانت مفتوحة على آخر نقطة من الحائط، والقلوب كذلك. أتذكر كيف كنا نسير في الشوارع، فلا نكاد نخطو خطوة إلا ونصطدم بيد تمتد بالعيدية، أو بابتسامة تفتح أحضاناً دون سؤال.
العيدية في السودان ليست مجرد نقود. كانت طقساً اجتماعياً معقداً. كان يجب أن ترفضها مرة واثنتين قبل أن تقبلها، ويجب أن تقبلها بيد واليد الأخرى تمسك معصم المعطي، ويجب أن تقبل رأسه إن كان كبيراً، أو تربت على كتفه إن كان صديقاً. كانت العيدية تتدفق في اتجاه واحد.. من الأكبر إلى الأصغر، من الأغنى إلى الأفقر وبالعكس، ومن المضيف إلى الضيف. كانت تذكيراً بأننا في هذا اليوم، جميعاً، أغنياء.
هنا في بريطانيا، يقع العيد في صيف أو شتاء، لكنه لا يقع في (العيد). لا يوجد هنا ما يسمى بـ(أيام النفير)، تلك الفترة التي تسبق العيد بأسبوع حيث تتحول المدن السودانية وشوارعها المتربة إلى ورش عمل ضخمة. النساء يجتمعن لعمل الكعك والمخبوزات والشعيرية والسكسكانية، وبعض من (لقمة) تسوّر بملاح تبتكر لزاجته على مهل، والرجال يتبادلون الزيارات المترعة بالود، والأطفال يعدون الجيوب لاستقبال الغنائم.
أفتقد ذلك الضجيج. ذلك الضجيج الذي كان يبدأ من الفجر ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل. ضجيج السماعات التي تشغل أغاني العيد من وردي إلى ود الأمين، مروراً بأحمد المصطفى وعقد الجلاد. ضجيج السيارات التي تطلق صافراتها في الزحمة، وضجيج الجيران الذين يتبادلون الزيارات دون موعد مسبق.
أفتقد الطلاوة تلك. تلك اللمسة السودانية الفريدة التي تجعل من العيد أكثر من مجرد يوم في التقويم. الطلاوة هي أن تجد نفسك في زحمة لا تنتهي من العناق والقبلات والتهاني، حتى تتورم خدودك من الابتسامات الصادقة. هي أن تتناول الفطور في خمسة بيوت مختلفة وعلى دفعات قبل الظهر، وأن تشرب بقايا الآبري الزائد عن حاجة رمضان، في كل بيت حتى تكاد تطفو.
العيد في السودان كان يحدث في أماكن، لا في أزمنة. كان يحدث في الساحات، تلك المساحات المفتوحة أمام البيت حيث تجتمع النساء لفرز الكعك، ويلعب الأطفال (شدّت)، ويجلس الرجال على الكراسي البلاستيكية يتبادلون أخبار قبل العيد. كان يحدث في الدكان، حيث يقف الأب يحاسب التاجر على أوقات العسرة ويتفاوض على ثمن السكر بجدية تفوق مفاوضات السلام.
أفتقد تلك الأماكن. أفتقد الحميمية التي كانت تولد من الازدحام الجسدي. من أن تكون محشوراً في سيارة في طريقك إلى ما يسمى عيداً، كتفك يلامس كتف غريب، ورائحة العرق تختلط بـ(العطور العربية)، والكل يهنئ الجميع بصوت واحد كأنهم لا يعرفون ماذا يقولون.
هنا في بريطانيا، الحميمية مفقودة حتى في الازدحام. الناس يتجاوزونك دون أن يلامسوا كتفك، وإذا لامسوا يعتذرون بسرعة كأنهم ارتكبوا جريمة. العيد هنا فعالية، نذهب إليها ونعود، كما نذهب إلى العمل. نلبس الزي السوداني الذي اشتريناه من قبل سنوات، ونلتقط الصور للـ(سوشيال ميديا)، ثم نعود إلى بيوتنا لنزيل الثياب ونرتدي غالب ما في الشماعة ونشاهد نتفليكس.
العيد في السودان كان يحدث، بشكل خاص، في الصالون، تلك الغرفة التي نحتفظ بها للضيوف طوال العام، ثم تفيض عن سعتها في العيد. أتذكر جدتي لأمي «عسلتين»، تلك المرأة الصلبة التي كانت تأتي من الحصاحيصا عند اشتياقنا لها كل عيد، تحمل في يدها الشنطة الأنيقة التي لا تفارقها، وفي قلبها سخرية لا تنضب. كانت تجلس على حافة السرير، ونحن نحيط بها كأنها ملكة في زيارة مفاجئة، فتنظر إلى أمي وتقول بنبرة تجمع بين التذمر والفخر: «يا سعاد بتي، أنا كل ما أجي بيتكم بنوم تاركة يدي ممدودة للسلام من كثرة الزائرين».
كانت ترددها أعوام عدة، كأنها عادة تلاحقها، لكننا كنا نعرف أنها شهادة فخر مقنّعة. في بيتنا، كانت تجد ما لا تجده في بيوت أخرى.. زحاماً لا ينتهي، أيدٍ تمتد للسلام، أصوات تتعالى بالتهاني، ونسمات بخور تفوح من كل زاوية. كانت اليد المفرودة تلك ليست تعباً، بل دليلاً على أننا، في هذا البيت تحديداً، ما زلنا نحتفل بالمعنى السوداني الكامل للكلمة. كانت جدتي تشتكي من كثرة نومها، لكنها كانت أول من يستيقظ في الصباح، تلبس «توبها» وتنتظر أبنائها أحبابها، ثم تضحك ضحكتها الهادئة وتقبض عليها بسرعة قبل أن تتغير ملامحها المتسارعة إلى الجدية.
أفتقد تلك اللحظات. أفتقد سخرية جدتي التي كانت تذيب الرتابة، وتحول الإرهاق إلى فخر. هنا في بريطانيا، لا أحد يأتي للنوم عندنا. لا أحد يشتكي من اليد المفرودة. الضيوف يأتون بموعد مسبق، يجلسون على الكراسي المريحة، يشربون القهوة التي حضّرتها بنفسي، ويغادرون في الوقت المحدد. لا نوم، لا شنطة قماشية، لا سخرية تذكّرك بأنك جزء من شيء أكبر منك.
أفتقد «الحميمية» التي كانت تولد من الازدحام الجسدي…
أصبحت أمارس طقوساً غريبة للتعويض عن الفقد. أحضر قهوتي بنفسي، لكنها تأتي متجمدة، سوادها داكن متقلب كأنها صنعت في مصنع لا في يد (خالتي فتحية). أشتري العطور من ماركة محددة ألفتها أكثر من 40 عاماً، لكنها هنا تفتقر إلى ذلك الخليط الفريد من الورد فتأتيك كرائحة البخور المحترق في المدخنة.
أحاول إقناع نفسي بأنني أحتفل. نجتمع كأصدقاء سودانيين، نأكل (الكسرة) و(الويكة)، نضع العصير في أكواب زجاجية أنيقة، نلتقط الصور. لكن في لحظة ما، عندما ينقطع الصوت ويخفت الضحك، أسمع ذلك الصمت البريطاني يتسلل عبر الأنفاس. صمت يقول: هذا ليس عيداً، هذا محاكاة لا تشابه أي شيء.
مع ذلك، يبقى شيء ما. ربما هو الأمل بأنني سأعود يوماً ما، وأعيد اكتشاف تلك الطلاوة. أو ربما هو التحدي بأنني سأنجح في نقل بعض من ذلك العيد إلى هنا، إلى هذا المكان الذي لا يعرف معنى العيدية ولا النفير ولا الطمأنينة الفطرية.
أو ربما، وببساطة، هو الحنين. تلك اللوثة الذي تجعلني أكتب هذه الكلمات وأنا أشعر بطعم مر في حلقي، كطعم القهوة التي لم تعد كما كانت. توق يجعلني أحتفظ بالجلابية السودانية رغم أنني لا ألبسها إلا مرة في السنة، وأحتفظ بعطري رغم أنه تبخر من زمن، وأحتفظ بذكرياتي رغم أنها تتلاشى مع كل عيد يمر.
أدرك الآن أن العيد ليس يوماً، وإنما هو طريقة. طريقة في التعامل مع العالم، في فتح الأبواب والقلوب، في إعطاء دون انتظار رد، في الازدحام دون ضجر، في الضجيج دون توتر. العيد هو أن تعيش في مجتمع يؤمن بأن الفرح واجب جماعي، وأن الحزن فردي وخاص.
في السودان، كنت أعيش العيد دون أن أعرف أنني أعيشه.
هنا، أعرف أنني لا أعيشه، وهذه المعرفة هو أشد أنواع الفقد.
لكنني، رغم كل شيء، ما زلت أحتفل مع عائلتي الصغيرة، لنصنع عيداً خاصاً بنا. نحتفل بالذكرى، بالأمل، بالحب، وبذلك الطفل السوداني الذي ما زال يعيش في داخلي، ينتظر صباح العيد ليركض في الشوارع الترابية ويصرخ (القابلة عندكم في المسرات) دون أن يفهم معناها، معتقداً أن العالم بأسره سيرد عليه.
وأحياناً، في لحظات نادرة، عندما يجتمع السودانيون هنا ونملأ المكان بضجيجنا، أشعر أن ذلك الطفل يبتسم. وأن العيد، رغم كل شيء، ما زال هنا. مخبأً في قلوبنا، ينتظر فقط أن نتذكر كيف نخرجه.
عيد سعيد. حتى وإن كان مرّاً قليلاً.











