ناهد عباس تكتب.. بين استقبال المنشقين وجراح الضحايا.. معضلة الحكومة السودانية

أعلنت قيادات منشقة عن قوات الدعم السريع انضمامها إلى القوات المسلحة، فكان استقبال الحكومة لها بالاحتفالات والترحيب العلني. على الورق تبدو الخطوة مكسباً عسكرياً وسياسياً: كل قيادي يترك صفوف المليشيا هو خصم أقل في الميدان، وصوت إضافي لشرعية الدولة.
لكن المشهد على الأرض أكثر تعقيداً وألماً.
الشارع السوداني لم يستقبل الخبر بالهتاف نفسه. فالكثيرون يرون في هذه الوجوه نفسها من أشعلوا الحرب، ومن وقعوا على أوامر القتل والتشريد والنهب. ذاكرة الناس لم تمحُ بعد صور المدن المحترقة، والمخيمات المكتظة بالنازحين، والبيوت التي أفرغت من ساكنيها. من هنا يأتي السؤال القاسي: كيف تحتفي الحكومة بمن تلطخت أيديهم بدماء السودانيين، وتتجاوز صمتاً مريباً عن دماء لم تجف بعد؟
المفارقة أن الحكومة تملك منطقها الخاص. فهي تقرأ المشهد بعيون الحرب والمفاوضات. منطق يقول: إذا عاقبت كل من جاء مستسلماً، فلن يسلم أحد. وإذا فتحت باب العودة بشروط، فقد تفتت المليشيا من الداخل وتقصّر أمد الحرب. إنها مقاربة براغماتية تضع إنهاء القتال فوق أي اعتبار آخر، حتى لو بدت قاسية أخلاقياً.
وهنا تتجلى المعضلة الأخلاقية والسياسية معاً. فالدولة بين خيارين أحلاهما مر: إما أن تمضي في سياسة “العفو المشروط” لضرب الخصم من الداخل، وتخاطر بخسارة الشارع وفقدان الثقة الشعبية. وإما أن تتمسك بخطاب العدالة والقصاص، وتخسر فرصة إضعاف المليشيا دون قتال.
الحقيقة أن السودان لا يمكن أن يبني سلاماً على نسيان، ولا يمكن أن يستمر في الحرب باسم الذاكرة وحدها. ما يحتاجه المشهد اليوم هو وضوح. وضوح في المعايير: من يُستقبل، ولماذا، وبأي ضمانات؟ ووضوح في الرسالة: أن الانضمام للجيش لا يعني إسقاط المسؤولية الجنائية والأخلاقية.
فالعدالة ليست نقيضاً للسلام، والسلام لا يكتمل على جثث المنسيين. وبينهما يبقى المواطن السوداني يسأل: هل هذا الاستقبال خطوة نحو إنهاء معاناتنا، أم مجرد إعادة تدوير لوجوه الأزمة تحت شعارات جديدة؟










