مشروع الرهد الزراعي.. من طائرات مكافحة الآفات إلى مطاردة الطيور بأغطية الحلل!
الفاو _ صوت الوطن نيوز

في مشروع الرهد الزراعي، لم يعد السؤال عن حجم الإنتاج وحده، بل عن قدرة المزارع على حماية ما ينتجه أصلًا. فبعد أن كانت الطائرات تحلق فوق الحقول لرش المحاصيل ومكافحة الآفات، أصبح المزارع اليوم يواجه أسراب الطيور بوسائل بدائية، بعدما أنفق أشهرًا في الحرث والزراعة والري ومكافحة الآفات، لينتهي به الأمر واقفًا في حقله يطارد الطير عن محصوله.
هذه ليست مجرد صورة عابرة من واقع زراعي متدهور، بل تختصر مسافة طويلة قطعها مشروع الرهد من زمن كانت فيه الدولة تقدم للمزارع منظومة متكاملة من الخدمات، إلى واقع أصبح فيه المزارع أكثر قربًا من الخسارة وأبعد عن الدعم والحماية.
من طائرات الرش إلى أغطية الحلل والنبّالات.. ماذا حدث لمشروع الرهد؟ ومن المسؤول عن ترك المزارع وحيدًا في مواجهة الطير والمرض والعطش والسوق؟
ليس من الصعب على من عاش بالقرب من مشروع الرهد الزراعي في الفاو خلال العقود الماضية أن يلاحظ حجم التحول الذي طرأ على المشروع. فالمقارنة بين الأمس واليوم لا تحتاج إلى تقارير رسمية أو أرقام كثيرة؛ يكفي أن تنظر إلى ما كان موجودًا بالأمس وما اختفى اليوم.
كان مشروع الرهد، إلى جانب مشروعات الري الأخرى، واحدًا من الآمال الكبيرة التي عُلقت عليها الزراعة السودانية، ومصدرًا للعمل والإنتاج والاستقرار لعشرات الآلاف من الأسر. أما اليوم، فقد أصبح الحديث عن تدهور بنيته التحتية، ومشكلات الري، وضعف الخدمات الزراعية، وغياب وسائل فعالة لحماية المحاصيل من الآفات والطيور، جزءًا من واقع يعيشه المزارع موسمًا بعد آخر.
والمفارقة المؤلمة أن المزارع لا يتوقف عن العمل.
يحرث، ويزرع، وينفق، وينتظر الموسم، ثم يجد نفسه في النهاية وحيدًا في مواجهة مخاطر كان يفترض أن تتصدى لها منظومة متكاملة من الخدمات الزراعية. وقد تكون أسراب الطيور وحدها كافية للقضاء على محصول ظل المزارع يعمل من أجله أشهرًا، خلال يوم أو يومين.
من الطائرات إلى أغطية الحلل
كان للمشروع مطارًا صغيرًا ، وكانت توجد فيه طائرات مخصصة لرش المحاصيل ومكافحة الآفات والأمراض. لم يكن وجود تلك الطائرات ترفًا أو مظهرًا من مظاهر الدولة؛ كانت جزءًا من منظومة حماية للمحصول، ووسيلة ضرورية لضمان استمرار الإنتاج.
ثم بدأت الطائرات تقل.
وتعطلت بعضها.
واختفت أجزاء ومعدات من الموقع.
ومع مرور السنوات اختفت الطائرات تمامًا، ثم بدأت معالم المطار نفسه تتلاشى تحت وطأة الإهمال والنسيان.
قد يبدو هذا تفصيلًا صغيرًا في مشروع زراعي ضخم، لكنه في الحقيقة يلخص قصة أكبر: قصة تراجع منظومة الخدمات الزراعية نفسها.
ففي الماضي كانت هناك طائرات تحلق فوق الحقول لمكافحة الآفات وحماية المحاصيل، بينما يجد المزارع اليوم نفسه مضطرًا إلى استخدام وسائل بدائية لطرد الطيور عن محصوله. ولعل أكثر الصور اختصارًا لهذه المفارقة أن المزارع أصبح يستعين حتى بأغطية الحِلّة ــ الإناء المنزلي ــ في محاولة لإبعاد الطيور عن رزقه.
أي انتقال هذا؟
المشكلة أكبر من الطيور
لكن اختفاء الطائرات ليس هو المشكلة في حد ذاته، كما أن الطيور ليست سوى عرض من أعراض مرض أكبر.
المشكلة الحقيقية تكمن في تراجع منظومة الخدمات التي يفترض أن تحيط بالمزارع وتساعده على الإنتاج.
ومشروع الرهد ليس مشروعًا صغيرًا يمكن التعامل مع مشكلاته باعتبارها مشكلات فردية تخص المزارع وحده. إنه أحد المشروعات الزراعية المروية الكبيرة في السودان، ويمتد شرق نهر الرهد من المفازة في ولاية القضارف إلى شرق أبو حراز في ولاية الجزيرة، وبالتالي فإن ما يحدث فيه ينبغي أن يكون شأنًا عامًا يرتبط بالزراعة والأمن الغذائي ومستقبل الريف السوداني.
والأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن إدارة المشروع، بحكم مسؤوليتها وخبرتها، لا يمكن أن تكون غافلة عن المشكلات التي يعاني منها المشروع، سواء في الري أو البنية التحتية أو الخدمات الزراعية أو وقاية المحاصيل.
لكن معرفة المشكلة شيء، والقدرة على معالجتها شيء آخر.
المزارع الذي تُرك وحيدًا
المزارع البسيط لم يعد يعرف على وجه الدقة ماذا يحدث لمشروعه، ولماذا تتراجع خدماته عامًا بعد عام.
إنه يعمل داخل المشروع، لكنه يبدو أحيانًا كأنه يعيش خارجه.
أين البحث العلمي من مشكلات المزارع اليومية؟
فالمزارع في الرهد لا يحتاج إلى محاضرات عن أهمية الإنتاج، لأنه أكثر الناس معرفة بقيمة الإنتاج. هو يحتاج إلى حلول عملية تحمي محصوله وتقلل خسائره.
وإذا استطاع البحث الزراعي أن يطوّر صنفًا أو تقنية تقلل افتراس الطيور لمحصول العيش البدري، فسيكون ذلك إنجازًا حقيقيًا يستحق أن يُذكر.
أما إذا ظللنا نراقب الطير وهو يأكل المحصول، ثم نطلب من المزارع أن يتحمل الخسارة موسمًا بعد موسم، فربما يأتي يوم لا يجد فيه الطير ما يأكله.
حين كان المشروع ملاذًا للناس
ففي سنوات الجفاف والمجاعة التي ضربت المنطقة عام 1984، كانت مشروعات الري والزراعة، ومنها الرهد والجزيرة وحلفا الجديدة والسوكي، من الأماكن التي لجأ إليها أعداد كبيرة من السودانيين وغير السودانيين القادمين من دول الساحل الأفريقي بحثًا عن الماء والغذاء والعمل والحياة.
كانت تلك المشروعات، رغم ما كان فيها من مشكلات، تمثل نوعًا من الأمان الاجتماعي والاقتصادي.
أما اليوم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: ماذا حدث لمشروع الرهد؟
بل:
كيف تحول مشروع كان قادرًا على استيعاب الناس وحمايتهم من آثار الجفاف والمجاعة، إلى مشروع يعجز فيه المزارع عن حماية محصوله من أسراب الطيور؟
الري.. العمود الفقري
وإذا كانت وقاية المحاصيل قد تراجعت إلى هذا الحد، فإن الوضع يصبح أكثر إثارة للقلق عندما ننتقل إلى الري، لأن المشروع المروي لا يستطيع ببساطة أن يعيش من دون نظام ري فعال.
ومهما امتلك المزارع من خبرة، ومهما كان حريصًا على أرضه، فإنه لا يستطيع أن يعوض بمفرده أعطال البنية التحتية أو مشكلات القنوات أو ضعف الإدارة أو تراكم الإهمال.
هنا تحديدًا تظهر حدود ما يستطيع المزارع الفرد أن يفعله.
فالزراعة ليست مجرد بذرة تُلقى في الأرض ثم ينتظر صاحبها الحصاد. إنها منظومة تبدأ من التخطيط والتمويل ومدخلات الإنتاج، وتمر بالري والحماية والإرشاد، وتنتهي بالتسويق والأسعار.
وعندما تنهار حلقات هذه السلسلة واحدة بعد أخرى، لا يمكن مطالبة المزارع وحده بتحمل النتيجة.
لا يكفي أن نعرف أين الخلل
ربما تكون المشكلة الأكثر تعقيدًا أن الجميع يعرف، بدرجات مختلفة، أن هناك خللًا.
المزارع يعرف.
العاملون في المشروع يعرفون.
الإدارة تعرف.
والدولة لا يمكن أن تكون بعيدة تمامًا عن الصورة.
لكن معرفة الخلل لا تؤدي تلقائيًا إلى إصلاحه.
ما يحتاجه مشروع الرهد ليس مجرد حملات موسمية لمعالجة مشكلة هنا أو إصلاح عطل هناك، وإنما مراجعة شاملة لمسار المشروع: بنيته التحتية، نظام الري، الخدمات الزراعية، وقاية المحاصيل، دور الدولة، علاقة المزارع بإدارة المشروع، وآليات تمويل وتسويق الإنتاج.
وقبل كل ذلك، يحتاج المشروع إلى إعادة الاعتراف بالمزارع باعتباره شريكًا في الإنتاج، لا مجرد شخص يُطلب منه دفع تكاليف الزراعة ثم تحمل خسائرها.
هل يمكن إنقاذ مشروع الرهد؟
اذا كان المزارع بالأمس يرى الطائرات تحلق فوق حقله لحماية محصوله، ثم أصبح اليوم يقف بنفسه تحت الشمس مطاردًا الطيور بأغطية الحِلّة، فهذه ليست مجرد مفارقة تستحق السخرية.
إنها صورة تختصر مسارًا طويلًا من التراجع.
نعم، كان الماضي أفضل في كثير من جوانبه، لكن قيمة استعادة ذلك الماضي ليست في إعادة الطائرات إلى السماء فحسب؛ بل في إعادة بناء النظام الذي جعل وجود تلك الطائرات ممكنًا، وجعل المزارع يشعر أن هناك دولة ومشروعًا ومنظومة تقف معه وهو ينتج.
وإلا فسيظل السؤال قائمًا:










