
قبل نحو عشر سنوات، كنت في زيارة إلى مدينة نيالا. وبينما أتجول في سوق المواشي، استوقفتني رائحة الشواء المتصاعدة من أحد المحال، لكن ما جذب انتباهي أكثر كان ذلك الصوت الطروب المنبعث من جهاز تسجيل قديم. صوت عرفته منذ سنوات الدراسة الثانوية، وظل يرافقني في محطات كثيرة من العمر؛ إنه صوت فنان الطمبور المبدع الراحل عبدالرحيم أرقى.
كانت الأغنية التي تملأ المكان وتنساب بين الناس هي رائعة “حبي أنا ليك كان زادي” للشاعر المدهش علاء الدين أبسير، تلك الأغنية التي نجحت في أن توحد وجدان السودانيين بما تحمله من شجن وألم وصدق إنساني عميق. وقد منحها عبدالرحيم أرقى بصوته وإحساسه حياة أخرى جعلتها تتجاوز حدود المكان والزمان.
جلست أستمع، بينما كانت نيالا تمضي في يومها العادي. الباعة ينادون على بضائعهم، والزبائن يتنقلون بين المتاجر، لكن الأغنية كانت تصنع عالماً موازياً. عالمًا من الذكريات والأسئلة والأحلام المؤجلة.
هذه الأغنية الخالدة يمكن لكل شخص أن يقرأها بطريقته الخاصة. قد يراها أغنية عاطفية تحكي قصة حب انتهت بالفراق، وقد يراها آخر مرآة لأحلامه المبعثرة التي لم تكتمل. أما إذا نظرنا إليها من زاوية الوطن، فإن كلماتها تبدو وكأنها ترصد انكساراتنا وآمالنا وخيباتنا المتكررة. تحكي عن انتظار طويل، وعن وعود كثيرة، وعن سراب ظل يلوح في الأفق دون أن يروي ظمأ المنتظرين.
ولعل من أجمل مقاطعها ذلك المقطع الذي ظل عالقاً في الذاكرة:
وداعاً يا سحابة صيف
شايلة مطر ضليل ورهين
وتبشر بخريف جايينا
ياما الناس رجوه سنين
وكل زولاً يفكر فيها
ما معروفة تنزل وين
كم من سحابات مرت في حياتنا، بشرتنا بالخيرات والأفراح، ثم مضت دون أن تترك سوى الانتظار. وكم من أحلام ظننا أنها على وشك التحقق، فإذا بها تتبدد مثل السراب.
رحم الله الفنان عبدالرحيم أرقى، ذلك الصوت الذي عبر من أقصى الشمال إلى أقصى الغرب، وحمل وجدان الناس على أوتار الطمبور. كثيراً ما راودتني فكرة زيارته في منطقة أرقى، وكنت أحدث زميلي جاد الرب عبيد، ابن تلك الديار، عن رغبتي في تلك الرحلة. لكن الظروف لم تمضِ كما تمنيت، وظلت الزيارة حلماً مؤجلاً حتى سبقنا الرجل إلى دار البقاء.
غير أن الفنانين الحقيقيين لا يغيبون ..رحم الله عبدالرحيم أرقى، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من فن جميل وسيرة طيبة نوراً يضيء ذكراه في قلوب محبيه.










