محاولة انتحار شاب بكسلا تهز الشارع.. هل دفعت الضغوط المعيشية بالبسطاء إلى حافة اليأس؟
بقلم _ صديق رمضان

سواء صحت الرواية المتداولة حول الأسباب التي دفعت الشاب إلى تسلق عمود الكهرباء ومحاولة إنهاء حياته أم لا، فإن الحادثة التي شهدها سوق كسلا اليوم تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بأوضاع شرائح واسعة من المواطنين، الذين يبدو أنهم سقطوا تماماً من أجندة الاهتمام الرسمي، على المستويين المركزي والولائي.
لقد وضعت الحرب آلاف الأسر، حتى في المناطق الآمنة نسبياً، تحت ضغوط معيشية ونفسية هائلة تفوق قدرة المواطن البسيط على الاحتمال. فالأوضاع الاقتصادية تزداد قسوة يوماً بعد يوم، والأسعار لا تعرف التوقف، بينما تتضاءل فرص العمل ومصادر الدخل، وإن وجدت، فإن عائدها لا يكاد يكفي لتغطية احتياجات أيام معدودة.
وسط هذه الظروف القاسية، لا يزال هناك من يتمسكون بالسعي الشريف وراء لقمة العيش. رجال ونساء يجلسون على الأرصفة وفي أطراف الأسواق، يبيعون الخضروات أو الفاكهة أو الملابس برؤوس أموال متواضعة، أملاً في توفير قوت أسرهم بالحلال. ورغم ضيق الحال، فإنهم يفضلون الكسب الشريف على أي طريق آخر.
لكن المؤسف أن هذه الفئات تواجه في كثير من الأحيان مضايقات مستمرة من بعض الجهات المحلية، وكأنها لا تجد من يساندها ولا من يتركها تكافح من أجل البقاء.
نعم، نحن مع التنظيم وضد الفوضى وكل ما يضر بالمصلحة العامة أو الصحة العامة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما البدائل التي وفرتها الحكومات المحلية لهؤلاء الباعة؟
فالدولة مسؤولة عن تنظيم حياة الناس وتوفير البدائل المناسبة لهم، لا عن التضييق عليهم ودفعهم إلى مزيد من اليأس.
ما حدث اليوم مرفوض شرعاً وأخلاقاً، فالانتحار محرم ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. لكن الواجب يقتضي، في الوقت ذاته، البحث في الأسباب التي قد تدفع إنساناً إلى الاقتراب من هذه الهاوية.
فقراءة الأحداث بسطحية لا تحل المشكلات، بينما الواقع يؤكد أن كثيرين يعيشون معاناة صامتة لا تجد من يصغي إليها.
في كسلا، كما في كثير من مدن السودان، يهيم آلاف الشباب على وجوههم بحثاً عن فرصة عمل أو أمل في المستقبل. بعضهم اتجه إلى الهجرة بكل ما تحمله من مخاطر وتحديات، وبعضهم يقاوم بصمت في أعمال بسيطة ومتواضعة، فيما سقط آخرون في مستنقع المخدرات واليأس.
والمؤلم أن الشباب لا يجدون برامج حقيقية تستهدفهم، ولا مشاريع إنتاجية، ولا فرص تمويل تمكنهم من بناء مستقبلهم، بينما ما تزال العقليات التقليدية تحتكر الفرص وتعجز عن مواكبة المتغيرات.
قد تحمل الرياح هذه الكلمات، كما حملت كثيراً من النداءات السابقة، لكن الحقيقة المؤلمة ستبقى قائمة: البسطاء والشباب في كسلا، وفي السودان عموماً، يعيشون أوضاعاً صعبة تستدعي وقفة جادة ومسؤولة.
فهؤلاء ليسوا عبئاً على الدولة، بل هم رأس مالها الحقيقي، ومستقبلها الذي لا يمكن أن يُبنى بالتجاهل أو الوعود المؤجلة.
حادثة اليوم يجب ألا تمر كخبر عابر؛ فقد تكون جرس إنذار يستحق أن يسمعه الجميع قبل أن تتكرر المأساة.









