
لم يكن قروب «أسر المعتقلين» مجرد مجموعة على تطبيق «واتساب»، أنشأها ذوو المفقودين بحثًا عن معلومة، أو انتظارًا لخبر يطمئن القلوب.
كان الأمل هو الرابط الأول بينهم.
كل واحد منهم دخل القروب وفي داخله سؤال واحد: هل هناك جديد؟ هل ظهر مفقودنا؟ هل اقترب موعد عودته؟
ومع طول الانتظار، تحوّل القروب شيئًا فشيئًا إلى مساحة يتقاسم فيها الأعضاء أخبارهم ومخاوفهم ومواجعهم، حتى أصبح بعضهم يجد في كلمات الآخرين ما يشبه «الطبطبة» على قلب أنهكته الأيام.
في كل مرة تتكرر الأسئلة:
«مافي جديد؟ طمنونا.»
«طمنونا على أسرى نيالا.»
«يا شذى، مافي جديد في موضوع تبادل الأسرى؟»
أسئلة قصيرة، لكنها تحمل خلفها ساعات وأيامًا وشهورًا من الانتظار.
وفي لحظات اليأس، تظهر كلمات أكثر قسوة:
«ولا حياة لمن تنادي..»
ثم يأتي الرد سريعًا من أحدهم:
«يعني شنو.. نقنع من أولادنا؟»
كأن الأمل هنا ليس مجرد شعور، بل مقاومة يومية لفكرة الفقد.
يعيش هؤلاء بين احتمالين؛ خبر يفرحهم، أو صمت يضاعف وجعهم. ومع ذلك، لا يتوقفون عن البحث والسؤال، ولا يتخلون عن الدعاء.
«ما حانكتف إيدينا وننتظر.. نحن نعمل العلينا وأكتر وربنا وكيل بيهم.»
عبارة تختصر حال كثير من الأسر؛ فحتى عندما تبدو الأبواب مغلقة، يصرون على طرقها.
وفي القروب، لا يتحدثون فقط عن المعتقلين والمفقودين، بل عن الحياة التي تغيّرت خلفهم.
زوجة تنتظر زوجها، وتحاول أن تتحمل مسؤولية بيتها وطفلتها الصغيرة وحدها.
أم أو أب يعيشان على أمل عودة الابن.
أخ ينتظر أخاه.
وأسرة تحاول أن تفهم كيف يمكن لأبنائها أن يمضوا سنوات خلف القضبان «بلا ذنب ولا محاكمة»، كما كتب أحدهم بمرارة.
ثلاثة أعوام من الانتظار كانت كافية لأن يسأل أحد أفراد القروب:
«يعني هسة أولادنا ديل تمو ٣ أعوام بلا ذنب ولا محاكمة.. دا برضى منو؟»
ثم، وسط كل هذا الوجع، يأتي الإيمان كملاذ أخير:
«ربنا موجود وأرحم بيهم وأكبر من كل الاحتمالات والظروف والأسباب.»
وحين ينفد الصبر، لا يجدون سوى بعضهم البعض.
يكتب أحدهم:
«الصبر انتهى.. حنقعد كده لي متين؟»
فتأتيه الإجابة:
«الصبر مفتاح الفرج.. قريب جدًا بإذن الله نسمع كل خير عن أبناءنا وإخواننا.»
وهكذا أصبح القروب مساحة لمواساة لا تنقطع؛ كلما انكسر أحدهم، حاول الآخرون أن يسندوه. وكلما تسلل اليأس إلى قلب، جاء من يذكّره بأن الدعاء لم يتوقف، وأن الأمل لا ينبغي أن يموت.
«بتقنعي من أولادك؟ لا تفقدوا الأمل.. ربنا أقوى من أي إنسان وأقوى من أي سلطة.»
وفي لحظات الحزن الأشد، يتحول القروب إلى مجلس دعاء جماعي:
«يا رب تفرح قلوبًا طال انتظارها، وازداد ألمها وحزنها ونفد صبرها وتحملها.. لا يعلم حالها إلا أنت.. اللهم أبدل أحزاننا أفراحًا، وصبرنا عوضًا جميلًا بلقياهم.»
لكن ليس كل الانتظار ينتهي بالعودة.
هناك من يتلقى خبرًا لا يشبه ما ظل يحلم به طوال سنوات.
أحدهم كتب عن شاب كان يتمنى أن يظل بينهم، لكنه اختار طريقًا آخر، ثم قال:
«اتمنيت يكون قاعد بينا وما اتفارقنا.. لكن ربنا غالب على أمره، وما نقول إلا الحمد لله.»
ثم جاءت مواساة موجعة:
«عريس في جنات النعيم.. ربنا يعوض شبابه الجنة ويربط على قلوبكم.»
هنا يتضح أن القروب لم يعد فقط مكانًا للبحث عن المعتقلين والمفقودين.
لقد أصبح سجلًا حيًا للمواجع.
مكانًا تلتقي فيه زوجة فقدت سندها، وأم تنتظر ولدها، وأخ يبحث عن أخيه، وأسرة تحاول أن تصمد أمام حياة ثقيلة.
ومع ذلك، وسط كل هذه الأحزان، يبقى هناك شيء واحد يجمعهم جميعًا:
الأمل.
الأمل في خبر، في اتصال، في قائمة أسماء، في باب يُفتح، أو رسالة تقول ببساطة:
«ظهر مفقودنا.»
وحين يحدث ذلك، لا تكون الفرحة لأسرة واحدة فقط.
يفرح الجميع.
لأن عودة مفقود واحد تمنح الآخرين جرعة جديدة من الأمل، وتقول لهم إن الغائبين يمكن أن يعودوا، وإن الانتظار مهما طال قد يحمل في نهايته خبرًا يطبطب على قلب أنهكته السنوات.
وهكذا، بين سؤال: «مافي جديد؟» ودعوة: «ربنا يفك أسرهم جميعًا»، تستمر حكاية أسر المعتقلين.
حكاية أناس لم يختاروا الحرب ولا الفقد، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة حياة قاسية، فاختاروا أن يسند بعضهم بعضًا.
كلهم ينتظرون.. كلهم يتألمون.. وكلهم يرددون:
«ما عندنا غير رب العالمين.. الحمد لله.. وربنا يجمعنا بيهم سالمين.»




