مقال الرأي

عندما يكون الموت «طبيعياً» أكثر من اللازم

"موت الفئران الجماعي في السودان: كارثة بيئية تثير القلق"

بقلم الناجي صالح

تحولت ضفاف أنهار السودان من منابع للحياة إلى عروض لمسرحيات الموت العجيبة، حيث امتزجت مياه النيل بجثث الفئران المنتفخة في مشهد يبدو كما لو أن طاعوناً جديداً يقرع أبواب البلاد، لكن مع لمسة من «العبقرية التبريرية المتكررة» التي تفوق الخيال.

في مشهد يذكرنا بأدب الواقعية السحرية، خرجت الأصوات الرسمية لتعلن أن هذه الجثث التي تطفو كزوارق مهملة على سطح الماء ليست سوى نتيجة «هجرة جماعية» قامت بها الفئران بحثاً عن حياة أفضل، وكأن هذه القوارض قررت فجأة أن تصبح مهاجرة بحثاً عن «الحلم الفأري» فركبت البحار تحاكي القاصدين أوروبا، ثم استسلمت لإرهاق السفر تحت شمس القارة الحارقة.

ولعل أجمل ما في هذه القضية هو تلك اللمسة الإبداعية في التفسيرات، حيث تحولت المأساة البيئية إلى فرصة لإظهار البراعة البلاغية.

فالنفوق الجماعي تحول من كارثة قد تنذر بتلوث مائي خطير إلى «عملية موت طبيعي» أشبه باحتفاء بيولوجي بانضباط النظام البيئي! بل ذهب بعض المبررين إلى اقتراح نظرية «الانتحار الجماعي» البيئي، حيث أن الفئران – وبكامل وعيها – قررت التضحية بنفسها لتخفيف الأعباء عن النظام البيئي المتوتر، في صورة من صور «الوعي الجمعي» القارض الذي لم يكتشفه العلم بعد.
أما الحديث عن مياه الشرب فقد وصل إلى مستويات من السخرية السوداوية التي تكاد تكون فناً قائماً بذاته. فبينما تتراقص الجثث على إيقاع أمواج النهر، يصرّح المسؤولون بأن الماء صالح للشرب وخال من الملوثات الخطيرة، وكأن جثة الفأر المنتفخة قد أصبحت مجرد بهار طبيعي يضاف إلى تركيبة المياه! بل إن بعض التصريحات ذهبت إلى أن هذه الظاهرة «دليل على نقاء البيئة»، لأن الفئران – كما يبدو – تختار الموت في الأماكن النظيفة فقط كشهادة على جودة المكان.
وفي لفة سحرية من دوائر التبرير، تحولت الجثث العائمة إلى مؤشر صحة بيئية، حيث قيل أن نفوق الفئران بهذه الطريقة أفضل من بقائها حية لأنها كانت ستستهلك موارداً قد يحتاجها البشر! وهنا نصل إلى ذروة المنطق المعكوس.. الموت الجماعي يقوم بالحفاظ على الموارد ويقدم خدمة جليلة للبشرية. وكأن الفئران قامت بعملية حسابية دقيقة لتقرر أن أفضل مساهمة يمكنها تقديمها للنظام البيئي هي التحول إلى جثث تسبح في مياه الشرب.
والعجيب في هذه الكوميديا السوداء أن الجميع يلعب دوره بإتقان.. المسؤولون يقدمون التبريرات، والفئران تواصل الموت، والمياه تواصل الجريان حاملة هذا الخليط العجيب، والناس بين مصدق ومكذب، لكنهم في النهاية عطشى إلى مياه نظيفة وإلى تفسيرات منطقية. ربما تكون السخرية الأقسى في أن الفئران الميتة أصبحت أكثر فائدة وهي جثث من عندما كانت حية.. على الأقل من ناحية توفير مادة دسمة للخطابات الرسمية المبدعة.
في النهاية، تبقى هذه الظاهرة نكتة بيئية مأساوية، حيث تتحول المأساة إلى فكاهة، والموت إلى ظاهرة طبيعية، والتلوث إلى مؤشر صحة، والماء المختلط بالجثث إلى شراب فئراني فوار ومنعش بطعم الانقراض.
إنها لوحة سريالية رسمتها براعة التبرير وفرشاة الإنكار، في بلد يبدو أنه تعلم كيف يحوّل الكوارث إلى نكات، والمخاطر إلى فرص للابتكار في فنون التفسير.
الفئران تموت، والمسؤولون يبررون، والماء يجري، والبشر يتساءلون: متى يصبح الموت غير الطبيعي طبيعياً إلى هذه الدرجة؟

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى