مقال الرأي

صديق رمضان يكتب.. مدرسة حفصة بأم القرى.. مأساة وطن

في العام 2013 تقريباً، سجلت برفقة زميلي عبدالله زيارة إلى إحدى مدارس البنات الأساسية بمدينة غبيش بولاية غرب كردفان. كان الهدف الوقوف على واقع حياة المواطنين في ست ولايات، وذلك في إطار جولة صحفية طويلة انتهت بمدينة الفاشر.

أذكر جيداً ذلك الصباح الصيفي الحار. توليت مهمة التصوير بالكاميرا، فيما انشغل الزميل عبدالله بتدوين الإفادات والمشاهدات.

كان أول فصل دخلت إليه هو الصف الرابع. لم يكن سوى راكوبة من القش، تجلس التلميذات داخلها على الأرض الرملية، بينما تتسلل أشعة الشمس عبر فتحات السقف الهش. كان المشهد مؤلماً وقاسياً، وكانت أعين الصغيرات تلمع بمزيج من البراءة والحسرة والأسى.

في تلك اللحظة، ومع ذلك الواقع البائس، تسللت الدموع إلى عيني دون أن أشعر. هزمني الموقف فلم أستطع مواصلة التصوير، ولم أجد غير أن أسلم الكاميرا إلى الزميل عبدالله وقد سيطر عليّ الحزن.

لكن الجميل في الأمر أن التحقيق الذي نشرناه آنذاك كان سبباً في لفت الأنظار إلى القضية، وأسهم سريعا في تشييد المدرسة بمواد ثابتة، لتتغير حياة التلميذات إلى الأفضل.

وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ذلك المشهد، أعادت الزميلة النابهة ناهد عباس، عبر منصة “صوت الوطن نيوز”، استحضار ذات الألم من خلال تقرير حزين وثّق واقع التعليم داخل مدرسة حفصة للبنات بالقرية (27) بمحلية أم القرى بولاية الجزيرة.

التقرير كشف عن واقع صادم ومشهد مؤلم يلخص تدهور البيئة التعليمية، حيث يضم فصل الصف الثالث الابتدائي نحو 170 تلميذة في مساحة ضيقة بالكاد تتسع لجلوسهن، وسط أوضاع وصفها الأهالي بالمأساوية.
فصل مكتظ لا يترك مجالاً للتنفس، ناهيك عن الفهم والاستيعاب. تلميذات متلاصقات في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية، في صورة تختزل حجم المعاناة التي يعيشها التعليم في المناطق الريفية.

وتقول معلمة الفصل إن هذا العدد الكبير داخل فصل واحد لا يمثل ضغطاً على التلميذات والمعلمات فحسب، بل يهدد مستقبل جيل كامل، إذ يصبح من الصعب إيصال المعلومة أو متابعة الفروق الفردية بين الطالبات.

ولم تتوقف المأساة عند الصف الثالث وحده، بل تمتد إلى جميع فصول المدرسة التي تعاني من نقص حاد في الفصول الدراسية والإجلاس، ما جعل العملية التعليمية تواجه تحديات كبيرة تهدد مستقبل مئات الطالبات.
كما تواجه المدرسة أزمة إضافية تتمثل في طالبات الصف السادس اللاتي ينتظرن نتائجهن للانتقال إلى المرحلة المتوسطة، بينما لا يوجد فصل يستوعبهن في العام الدراسي المقبل.

ورغم شح الإمكانات، لم يقف الأهالي مكتوفي الأيدي، إذ بادروا بجهد شعبي وتبرعات ذاتية لبناء فصل جديد لبناتهم، غير أن المشروع توقف عند مرحلة “البيم” ولم يكتمل سقفه، ليظل الحلم معلقاً بين السماء والأرض.

وفي نداء مؤثر، ناشدت مديرة المدرسة، الأستاذة منصورة الطيب، الجهات الرسمية وأهل الخير للتدخل العاجل والمساهمة في إكمال تشييد الفصل، حتى لا تضيع أحلام الطالبات في انتظار مكان يحتضن تعليمهن.
ويرى مواطنون أن ما جرى توثيقه بالفيديو ليس مجرد ازدحام عابر، بل مأساة تعليمية حقيقية تحتاج إلى وقفة عاجلة من الجهات المختصة، لتوفير بيئة تحفظ كرامة التلميذات وتمنحهن حقهن الطبيعي في التعليم.
إلى متى يعاني هؤلاء الصغار؟ ومتى يجدون نصيبهم من الاهتمام والرعاية؟.

نتمنى أن يتكرر ما حدث في مدرسة بنات غبيش، وأن يتغير واقع مدرسة حفصة بالقرية (27) بمحلية أم القرى، لتصبح هذه المعاناة مجرد ذكرى من الماضي.

“عشان عيون أطفالنا ما تذوق الهزيمة”.

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى