مقال الرأي

عندما يكتب الأستاذ أيوب صديق فعلى الجميع أن يقرأ.. فليس في كل مرة ستسلم الجرة

بقلم صبري محمد علي

نشر الأستاذ أيوب صديق، الإعلامي المخضرم ومذيع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) سابقاً، مقالاً اليوم بموقع «5Ws-news» تحت عنوان: «ازدياد المؤامرات علينا، وازدياد حاجتنا إلى الروس».

وتناول الأستاذ أيوب قضية مهمة جداً مرّت سريعاً عبر الأسافير قبل أيام، وسط نشوة الفرح بإبطال قرار مجلس الأمن الأخير بشأن حظر الطيران العسكري داخل السودان، والذي صوّت لصالحه 14 عضواً من أعضاء المجلس، بما في ذلك الصين، قبل أن تبطله روسيا باستخدام حق النقض «الفيتو».

أستاذ أيوب، وكأني به ينقر الطاولة بعنف ليقول للفريق أول عبد الفتاح البرهان:

تحرّك يا سيدي.. فليس في كل مرة ستسلم الجرة.

تحرّك نحو تعاون عسكري حقيقي مع روسيا وتركيا.

دعهم يأتون يا سيدي، فأين المشكلة؟ فكل العالم من حولنا يتكتل ويتحالف، فلماذا نظل نحن دوماً تحت رحمة الآخرين، ننتظر أن يتكرموا علينا بـ«الفيتو»؟

أخطُ خطوة إلى الأمام يا سيدي، فليس هناك ثوابت دائمة في السياسة الخارجية، والجميع يبحث عن مصالحه الاقتصادية والسياسية.

حتى الصين…
نعم، حتى الصين يا سيدي.

هذه المرة حكمتها تقاطعات المنفعة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، فلم تدعمنا وصوتت لصالح القرار.

تحرّك يا سيدي.

فلا يمكنك إرضاء دول الجوار على حساب مصالح بلادك، بينما يتعرض السودان لضغوط متواصلة عبر القرارات الدولية.

تحرّك يا سيدي.

فالتوجه شرقاً ليس بدعاً، فقد سبقه إليه كثيرون، ومصر ليست عنا ببعيدة.

تحرّك يا سيدي.

فليس هناك عقد ملزم يجعل روسيا تدعمنا في كل مرة دون أن تكون لها مصالح حقيقية.

تحرّك يا سيدي.

فالذهب ميدان، والبحر ميدان، والتسليح ميدان، والتعاون العسكري ميدان.

والروس يبحثون عن مصالحهم الحقيقية، ولن يستمروا في دعمنا بلا مقابل إلى الأبد.

عزيزي القارئ…

سأترك بقية المساحة للاطلاع على ما كتبه الأستاذ أيوب صديق. فرغم شح كتاباته، فإن مقاله اليوم يُعتبر بمثابة الحجر الضخم الذي ربما يحرك البركة الساكنة في علاقتنا مع روسيا.

فهل يقرأ صانع القرار المقال؟

فإلى المقال…

ازدياد المؤامرات علينا، وازدياد حاجتنا إلى الروس

أيوب صديق

لا أزال أذكر تلك الجلسة لمجلس الأمن الدولي، يوم الاثنين 24 أغسطس 2026، التي خُصصت لإقرار مشروع القرار الأمريكي الذي ينص على حظر شامل للسلاح على السودان. والمقصود، بداهة، هو حظر الطيران العسكري السوداني عن ملاحقة البقية الباقية من قوات الدعم السريع، للحفاظ على بقائها.

ترأس تلك الجلسة وزير خارجية الدنمارك، التي آلت إليها رئاسة المجلس في هذه الدورة، حيث طرح مشروع القرار على الدول الخمس عشرة الأعضاء للتصويت عليه برفع الأيدي.

وأُعلنت في نهاية التصويت النتيجة، إذ صوتت 14 دولة من أصل 15 لصالح مشروع القرار، ولم تمتنع عن التصويت أي دولة، بينما عارضت روسيا وحدها مشروع القرار وأبطلته باستخدام حقها في «الفيتو»، أي النقض.

حتى الصين صوتت مع مشروع القرار الأمريكي، الذي يعد، بحسب هذا الطرح، عقاباً للسودان من خلال حظر استخدام طيرانه العسكري في مواجهة متمردي الدعم السريع.

نعم، إن روسيا هي وحدها التي كانت لديها الجرأة على اتخاذ موقف كهذا؛ الجرأة التي عيّر بها سفير السودان أعضاء المجلس لعدم توفرها فيهم لنصرة الحق.

وقال لهم إن مجلسكم يعلم الأطراف التي تنتهك الحظر الحالي على السلاح بإمداد المتمردين به، ولكن لا يجرؤ أحد على تسمية تلك الأطراف.

أما عن تصويت الدول الأربع عشرة لصالح القرار ضد السودان، فكتب الصحفي الكبير الأستاذ إسحاق فضل الله، في عموده اليومي بصحيفة «ألوان»، «عداء أربعة عشر دولة لنا شيء مخيف، والعدد يعني أن الصين العضو الدائم هناك، تصوت لصالح الحظر».

وأنا أقول للأستاذ إسحاق: نعم، إن هذا شيء مخيف حقاً، أن تصوت 14 دولة من أصل 15 ضدنا.

ولكن المخيف حقاً، والأكثر من ذلك عندي، هو أن يظل الرئيس البرهان في تردده، المتمثل، كما يبدو، في خوفه الدائم من الأمريكيين؛ ذلك الخوف المانع له من اتخاذ خطوة جريئة، حثيثة وملحة، يدخل بها بلدنا في اتفاق دفاعي مع روسيا، بما في ذلك إقامة قاعدة عسكرية يضمن بها دوام وقوفها إلى جانبه في مواجهة الابتزاز الأمريكي المستمر.

فالروس هم الوحيدون الذين يمكنهم التصدي للمؤامرات الأمريكية المستمرة على بلادنا، وقد أظهروا ذلك جلياً من قبل في دعم بلادنا، وقريباً من ذلك عندما أسقطوا في مجلس الأمن، في 18 نوفمبر 2024، مشروع القرار البريطاني ضد السودان.

والمرة الثانية هي التي نحن بصددها الآن، والتي أبطلت فيها روسيا إجماع الدول الأربع عشرة ضد بلادنا.

وذلك أمر لا يفعله الصينيون دوماً، لما لهم من تشابك مصالح اقتصادية مع الأمريكيين، وإن ظهر للعالم تنافس محموم بينهما على المسرح السياسي العالمي.

ولكن الروس، وإن فعلوا ما فعلوا من أجلنا، فليس لهم معنا عقد يلزمهم بالدفاع عنا دوماً. فهم مثلهم مثل بقية البشر، قد يدركهم الكلال والملل وخيبة الأمل من تعاملنا معهم.

ويبدو أننا ننظر إليهم مرة نظرة تنبئهم بعزمنا على التعامل معهم كما ينبغي، ثم ننظر نظرة خوف إلى الأمريكيين، تبطلان ذلك العزم في نفوسنا، وهكذا دواليك.

ولعمري، فإن الأمريكيين لن يفعلوا بنا أكثر مما فعلوا ويفعلون، بسماحهم بوصول الحديث من أسلحتهم إلى أيدي المتمردين ليحاربونا بها، وعلمهم علم اليقين بكل تلك الأطراف التي تمدهم بالسلاح وتلك التي توفر لهم سبل إيصاله إليهم.

ولو مضى الرئيس البرهان في التعامل مع الروس والأمريكيين على هذه الوتيرة، فقد يصل الروس إلى قناعة بأن السودان لا يمكن اعتباره حليفاً مستقبلياً يعتمدون عليه ويستحق وقوفهم إلى جانبه في كل آن وحين.

ولذا فليس من المستبعد أن يتبدل موقفهم من السودان في لحظة يأس، فيتركوه نهباً للكيد الأمريكي المستمر، فيمضي الأمريكيون في مؤامراتهم وتجنيدهم العالم ضد بلادنا، حيث يختلقون في سبيل ذلك أوهى التعِلات لتجنيد مجلس الأمن مرة أخرى، كما فعلوا هذه المرة.

وعندها لن يكون هناك ما يلزم الروس، ضربة لازب، بالدفاع عنا.

وما أقوله عن الروس وضرورة العمل على وقوفهم إلى جانبنا، أقوله كذلك عن ضرورة التعامل مع الأتراك، وقد كتبت أنا عن ذلك من قبل.

وإن كان موضوع دعوة الروس والأتراك إلى بلادنا ليكونوا سنداً لنا ضد أعدائنا سيغضب بعض دول الجوار، فإن دول الجوار، إن أرادت أن تجعل من تشاء ظهيراً لها، لما أعارت إرضاء السودان مجرد التفاتة.

والآن، وسينتصر جيشنا بإذن الله تعالى على جحافل التمرد ومعينيهم، فإن المؤامرات الصهيونية في الركاب الأمريكي لن تتوقف، بل ستزداد سعيراً.

فالانتصار العسكري سيكون أصعب وقعاً على نفوسهم وأشد مضاضة عليها، لأنهم أكدوا من قبل استحالة النصر العسكري لنا عليهم.

وأصعب وقعاً سيكون كذلك على خونة الداخل، معشر قحت بمختلف مسمياتها، لأنهم، بحسب هذا الطرح، هم الذين أوحوا من قبل إلى الأمريكيين بحظر سلاح الطيران السوداني، كما أوحوا بالأمس للدعم السريع بشن الحرب للاستيلاء على البلاد، وهم جناحه المدني في الداخل وحيثما كانوا لاجئين.

ولهذا كله، فإن الحفاظ على الانتصار لا يقل صعوبة عن تحقيق الانتصار نفسه، وهو يحتاج إلى قوة ضاربة تقف إلى جانب بلادنا لمساعدتها في حمايته.

وهذا يجعل الاستعانة بالروس والأتراك أمراً ضرورياً لا غنى عنه، وإن قال مستشارو السوء لقادتنا غير ذلك.

وما العيب في أن يأتي بلدنا بقوة ضاربة لمساندته في ذلك؟

فها هي أمريكا، التي من غرورها تظهر للعالم أنها تناطح النجم في عليائه، كانت وما زالت تشكو لطوب الأرض من أن دولاً كانت تساعدها لم تدعمها في حربها مع إيران.

وها هي روسيا، التي تمتلك أكبر قوة نووية في العالم، استعانت في حربها الحالية مع أوكرانيا بكوريا الشمالية، حيث زودتها بكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، وبأعداد من الجنود خصصت لهم أماكن في الأراضي الروسية.

إن ملاحقة الأحداث لا تحتمل نهج الريث الذي ينتهجه البرهان الآن.

وكما قال الطبيب والصحفي والسياسي الفرنسي الشهيرجورج كليمنصو: «إن الحرب أمر جاد للغاية بحيث لا يُترك للعسكريين وحدهم».

وتعني عبارته هذه أن قرار الحرب والسلم استراتيجي وشامل، ويؤثر على المجتمع بأكمله اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

هذا، وما نراه الآن في بلادنا من انتصارات عسكرية متلاحقة في ميادين القتال، يقصر عنه كثيراً ما نراه من حصاد النهج السياسي المتبع في بلادنا الآن.

الخميس 3 سبتمبر 2026م

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى