
لمّا ماتَ زيدٌ -رضيَ اللهُ عنه- قامَ ابنُ عبّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهما- على قبرِه وقال: ( يا هؤلاءِ! من سّرَّه أنْ يعلمَ كيفَ ذهابُ العلمِ فهكذا ذهابُ العلم، وأيْمُ اللهِ لقد ذهبَ اليومَ علمٌ كثير).
ببالغ الحزن، وبقلبٍ يثقل عليه الفقد، ودعنا بالأمس قامةً أكاديميةً نادرة، ورمزاً دينياً وتربوياً لا يُختزل في لقبٍ أو منصب؛ ودعنا أستاذنا وشيخنا البروفيسور محمد عثمان صالح، الرجل الذي فتح لنا أبواب الفهم وحبب إلينا تخصص مقارنة الأديان، وهو رمز من الرموز العلمية والفكرية التي ارتبط اسمها بمسيرة جامعة أم درمان الإسلامية ارتباطًا وثيقاً، وأسهمت عبر سنوات طويلة بعلمها وفكرها ورؤيتها في ترسيخ رسالة الجامعة الإسلامية وخدمة أهدافها العلمية والدعوية، رجلًا غزير العلم، واسع الاطلاع، موسوعيَّ المعرفة؛ وحين يترجّل المعلم تبقى الدروس تمشي على أقدام تلاميذه؛ فلم يكن الراحل مجرّد محاضرٍ يقف خلف منصة يؤدي دوره ببرودٍ أكاديمي كان مدرسةً تمشي على الأرض، وحالةً إنسانيةً تتجسّد فيها معاني التعليم وكان اسمه يُنطق مقروناً بالهيبة والودّ. كان (أيقونة) علم مقارنة الأديان وسنداً لجميع طلابه، وقد توثقت علاقتي بالفقيد بعد أن ناقشت معه بعض رسائل الدكتوراة التي كان مشرفاً عليها؛ وبينما يحول البعض قاعة المناقشة إلى ساحة قتال ومعركة علمية يبرز فيها عضلاته ويبسط فيها نفوذه، ومقصلة تُرفع فوق رأس الباحث بحجة التحكيم الأكاديمي، وتُضخّم فيها الهفوات اليسيرة والأخطاء غير الجوهرية وتُستخدم فيها المصطلحات المعقدة والمختلف فيها؛ كانت طريقة البروف في كشف عيوب الرسائل توجيه وتنبيه دون أن يكسر نفوس الطلاب، فكان أقرب إلى القلب من السؤال، وأصدق من الإجابة. يرشدك دون أن يُملي، ويقترح دون أن يُصادر، ويمنحك ثقةً تشبه الضوء؛ وطمأنينة وراحة كالنسيم . وعلى الرغم من علو شأنه لم يكن هناك أي حاجز بينه وبين طالب أو زميل فبتواضعه الجم حبب الجميع له واستمع لهم ولبى حاجتهم بكل ما يستطيع ولي معه تجارب شخصية.
وقد تجاوز عطاؤه – رحمه الله – حدود القاعات الأكاديمية إلى الإسهام في قضايا الإسلام، ونهضة الوعي، وخدمة بلاده فكراً وتوجيهاً وبناءً للإنسان، فكان مثالًا للعالِم الرسالي الذي يجمع بين العلم والموقف والمسؤولية، بنى مجد هيئة علماء السودان بعد مسيرة من العمل الدعوي القاصد بالهيئة امتدت لعقود ، قضاها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وداعياً الى الخير، عشرات السنين نشط خلالها الراحل بالهيئة كما نشط في ميادين العمل الدعوي الأخرى سواء في مجال العمل الدعوي المباشر أو العمل الدعوي الأكاديمي من خلال إدارة جامعة أم درمان الإسلامية وإنشاء مركز أبحاث الإيمان أو العمل الدعوي في المجال التربوي وهو وزيراً للتربية، أو العمل الدعوي من منطلق اجتماعي وهو يؤسس ويرعى إتحاد النساء العالمي وهكذا يصدق فيه قول القائل:
الْأَرْضُ تَحْيَا إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا مَتَى يَمُتْ عَالِمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ.
الكتابة في نعي ورثاء بروفيسور محمد عثمان صالح ليس إلا اعترافًا مستحقًا بعطاءٍ ممتدّ، وبصمةٍ راسخة، وأثرٍ لا يُنكر في مسيرة جامعة أم درمان الإسلامية بل والأمة السودانية جمعاء.
” لقد دفن بالأمس علم كثير” نسأل الله أن يجزيه عن طلابه وبلاده والإسلام خير الجزاء، وأن يبارك في علمه وأثره، وأن يجعل ما قدّمه ذخرًا له في الآخرة كما كان في الدنيا، نحن على يقين أن المعلم الحقيقي لا يرحل؛ فهو يقوم بتغير مكانه فقط لكن صوته يظل في آذاننا، وعلمه في مكتباتنا، ومنهجه في أقلامنا، وبصمته في أخلاق مهنتنا _ مهنة الأنبياء _ ويتعلم من كل ذلك طلابه الذين صاروا أساتذة أن العلم بلا قيمة إن لم يُخدم الإنسان… نم قرير العين أستاذنا وشيخنا بروف محمد فقد تركت وراءك ما لا يموت.
ونختم بالدعاء : اللهم أرحم أستاذ الأجيال؛ وتقبّله بقبولٍ حسن، وأجعل الجنة مثواه، وأنزّله منازل الأبرار. وألهم آله وذويه وطلابه ومحبيه الصبر الجميل وحسن العزاء. خالص التعازي وصادق المواساة لأسرته وأهله ومعارفه، ولزملائه وعارفي فضله؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.











