ليلة القدر.. الليلة المباركة التي تعادل عبادة ثلاثةٍ وثمانين عامًا
بقلم بروفيسور اسماعيل صديق

خص الله عز وجل شهر رمضان بالتفضيل ، حيث أنزل فيه القرآن وأوجب فيه على المؤمنين الصيام وجعله شهر جد واجتهاد، يقول الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(. وفي هذه الآيات يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن في ليلة القدر وهي الليلة المباركة وسميت ليلة القدر بهذا الاسم لعظم قدرها وفضلها عند الله تعالى ،كما قال تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(. ثم قال معظمًا لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ( وبين مقدار فضلها بقوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ( أي العبادة فيها وإحياؤها بالطاعة والصلاة والقراءة والذكر والدعاء عبادة ألف شهر ليس في شهر منها ليلة القدر وألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. ثم أخبر عن زيادة فضلها وكثرة بركتها أن الملائكة يكثر تنزلهم فيها وينزل معهم جبريل ينزلون بكل أمر من الخير والشر قضاه الله وقدره ونزولهم بأمر الله سبحانه. ثم زاد في فضلها فقال: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ( أي إنها سلام وخير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر وأن الملائكة تسلم فيها على المؤمنين في الأرض والروح: جبريل عليه السلام. صح عن رسول الله ( أنه قال في فضل قيامها: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه.
وقال في وقتها: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» أي في الليالي الفردية وهي ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين. وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها. قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، ونستفيد من سورة القدر معرفة فضل القرآن الكريم وعلو قدره وأنه أنزل ليلة القدر. وكذلك فضل ليلة القدر وعظمها وأنها تعدل ألف شهر خالية منها.
كما تحثنا السورة على اغتنام مواسم الخير كهذه الليلة الشريفة بالأعمال الصالحة. وأن علينا بالجد والاجتهاد في كل ليلة من العشر الآواخر من رمضان بالصلاة والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار لعلنا نوافقها فنسعد سعادة لا نشقى بعدها أبدًا وعلينا أن ندعو فيها بالأدعية الجامعة لخير الدنيا والآخرة مثل : «اللهم أصلح لي دينى الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر. اللهم اعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس يا حي يا قيوم»، وكذلك: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» وأيضاً : «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار» ومن الأدعية الجامعة كذلك: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وأيضاً : «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». و «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة».
وترجى هذه الليلة الكريمة في العشر الأواخر من هذا الشهر، ليلة القدر في ليالي شهر رمضان ، ويمكن التماسها في العشر الأواخر منه ، وفي الأوتار خاصة ، والصحيح أن ليلة القدر لا أحد يعرف لها يوماً محدداً ، فهي ليلة متنقلة ، ، ولقد أخفى الله تعالى علمها ، حتى يجتهد الناس في طلبها ، فيكثرون من الصلاة والقيام والدعاء في ليالي العشر من رمضان رجاء إدراكها ، وهي مثل الساعة المستجابة يوم الجمعة . : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ” وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من شهر رمضان ، وروي عن ربيبة النبي زينب بنت أم سلمة أنها قالت: لم يكن النبي إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه. فحري بكل مؤمن صادق أن يقوم هذه الليالي ، ويعتكف فيها بقدر استطاعته ، تأسياً بالنبي الكريم.
ومما ورد في علامات ليلة القدر . عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ في النِّصْفِ مِنَ السَّبْع الأَوَاخِرِ من رَمَضَانَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدَاةَ إِذْ صَافِيَةً لَيْسِ لها شُعَاعٌ، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: فَنَظَرْتُ إِلَيها فَوَجَدْتُها كَما قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم » رواه أحمد. وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: «إِنَّها لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وعِشْرينَ، إِنَّ المَلائِكَةَ تِلْكَ الَّليلَةَ في الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الحَصَى» رواه أحمد. وَعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ القَدْرِ أَنَّها صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ – أَيْ مُسْفِرَةٌ مُشْرِقَةٌ- كَأَنَّ فِيهَا قَمَراً سَاطِعاً، سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ – أَيْ فيهَا سُكُونٌ- لا بَرْدَ فيهَا وَلا حَرَّ، وَلا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى به فيهَا حَتى يُصْبِحَ، وإِنَّ أَمَارَتَها أَنَّ الشَّمْسَ صَبيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَويَةً لَيسَ لها شُعَاعٌ مِثْلَ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» رواه أحمد. وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِنِّي كُنْتُ أُريتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُم نَسيتُهَا وَهِيَ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَهِيَ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لا حَارَّةٌ ولا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فيهَا قَمَراً يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا لا يَخْرُجُ شَيْطَانُها حَتى يَخْرُجَ فَجْرُهَا» رواه ابن خزيمة وابن حبان. وقد دَلَّتْ هَذِهِ النُّصوصُ عَلى أَنَّ لِلَيْلَةِ القَدْرِ عَلامَاتٍ هِيَ:
العلامة الأولى: كُثْرَةُ تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فيهَا، وفي مُقَدِّمَتِهِم جِبْريلُ عَلَيهِ السَّلامُ لِيَشْهَدُوا المصَلينَ في مَسَاجِدِهِم، حتَّى إِنَّ الملائِكَةَ أَكثَرُ منْ عَدَدِ الحَصَى، وهَذِهِ العَلامَةُ لا تَظْهَرُ لِلنّاس.
العلامة الثانية: أَنَّ السَّلامَةَ تَكْثُرُ فيهَا بما يَقُومُ بِهِ العِبَادُ مِنْ طَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ.
العلامة الثالثة: أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لها. وسَبَبُ ذَلِكَ فيما ذَكَرهُ العُلَماءُ: أَنَّ المَلائِكَـةَ يَصْعَدُونَ إِلى السَّمـاءِ فَتَحْجُبُ أَجْنِحَتُهُم أَو أَنْوَارُهُم أَشِعَةَ الشَّمْسِ، وذَلكَ مِنْ كَثْرَةِ تَنَزُلِهَم تِلْكَ الَّليْلَة.
العلامة الرابعة: أَنَّ مِنْ صِفَاتِهَا أَنَّها لَيْلَةٌ صَافِيَةٌ سَاكِنَةٌ لا بَارِدَةٌ ولا حَارَةٌ، وهَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدَانِ بُرودَةً وحَرَارَةً، والمَعْنَى: أَنَّها لا بَارِدَةٌ ولا حَارَّةٌ بالنِّسْبَةِ لِلَّيَالي الَّتي قَبْلَهَا والَّتي بَعْدَهَا.
العلامة الخامسة: أَنَّ الشَّيْطَانَ لا يَخْرُجُ مَعَ شَمْسِ صَبيحَتِهَا؛ ذَلكَ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ إِلا صَبيحَةَ لَيْلَةِ القَدْرِ.
أَنَّ أَكْثَرَ العَلامَاتِ المذْكُورَةِ لا تَبِيْنُ لِلنَّاسِ إلا بَعْدَ انْتِهَاءِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وفَائِدَةُ ذَلكَ: أَنْ يَشْكُرَ مَنْ أَدْرَكَهَا رَبَّهُ عَلى تَوْفِيقِهِ لِقِيامِهَا، ويَنْدَمَ المُفَرِّطُ فِيهَا، ويَعْزِمَ عَلى تَدَارُكِهَا في السَّنَةِ القَادِمَةِ.وأَنَّ هَذِهِ العَلاماتِ رَاتِبةٌ لِكُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ تَأْتي، ولَيْسَتْ خَاصَّةً بِوَقْتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
والعمل في هذه الليلة خير من العمل في ألف شهر.









