Uncategorizedقضايا وحوادث

من سد النهضة إلى حرب المسيّرات.. السودان وإثيوبيا على حافة تصعيد دبلوماسي خطير

تقرير: صوت الوطن نيوز

لم تعد العلاقات السودانية الإثيوبية تقف عند حدود الخلافات التقليدية حول المياه والحدود، فقد دخلت خلال الأيام الأخيرة مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد الاتهامات المتبادلة، وتبادل الإجراءات الدبلوماسية، وصولاً إلى إغلاق القنصلية السودانية بمدينة أصوصا الإثيوبية، والاتجاه السوداني لإغلاق القنصلية الإثيوبية بمدينة القضارف، وإمهال الدبلوماسيين 48 ساعة للمغادرة، وفق ما نقلته «الشرق بلومبيرغ» عن مصدر حكومي سوداني.

ويبدو أن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف قنصلي عابر، وإنما انعكاس لتراكمات سياسية وأمنية واستراتيجية ظلت تلقي بظلالها على علاقة البلدين، اللذين تجمعهما حدود طويلة ومصالح جغرافية واقتصادية وأمنية متشابكة.

من الجوار إلى تبادل الاتهامات

شهدت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا توتراً متزايداً على خلفية الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، إذ باتت التطورات العسكرية داخل السودان جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي لدول الجوار.

وفي تطور بالغ الخطورة، اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة استهدفت مواقع مدنية ومنشآت حيوية ومحطات كهرباء داخل السودان.

وقد أعلنت وزارة الخارجية السودانية في مطلع نوفمبر الجاري تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، مدعومة بما قالت إنها وثائق وأدلة تتعلق باستخدام الأراضي الإثيوبية في تنفيذ تلك الهجمات.

ووفقاً لتقرير سوداني أوردته وسائل إعلام دولية، فإن الخرطوم تحدثت عن 70 هجوماً شملت 187 طائرة مسيّرة خلال الفترة من فبراير إلى أكتوبر 2026.

في المقابل، تنفي إثيوبيا دعم قوات الدعم السريع أو السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على السودان، وتتهم الخرطوم بدعم جماعات مسلحة مرتبطة بإقليم تيغراي، وهي اتهامات ينفيها السودان أيضاً.

وهكذا تحولت العلاقة بين البلدين من خلافات سياسية قابلة للاحتواء إلى تبادل اتهامات تمس الأمن القومي لكل طرف.

القنصليات.. واجهة التصعيد الجديد

جاء قرار السلطات الإثيوبية إغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا، وإمهال ستة من أعضاء طاقمها 48 ساعة لمغادرة البلاد، ليشكل منعطفاً جديداً في مسار الأزمة.

ولم تقف الخرطوم، بحسب ما نقله مصدر حكومي سوداني لـ«الشرق بلومبيرغ»، عند حدود الاحتجاج الدبلوماسي، بل قررت إغلاق القنصلية الإثيوبية بمدينة القضارف، مع منح الدبلوماسيين المهلة نفسها للمغادرة.

وتحمل هذه الخطوات دلالات سياسية تتجاوز إغلاق مقرين دبلوماسيين؛ فالقنصليات في المناطق الحدودية تؤدي أدواراً تتعلق بالتواصل الرسمي، وتسهيل شؤون المواطنين، ومتابعة المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة.

وتأتي أصوصا والقضارف في قلب هذه الجغرافيا المتداخلة، ما يجعل أي تصعيد بينهما ذا انعكاسات مباشرة على سكان المناطق الحدودية وحركة التواصل والتجارة.

الشارع السوداني.. أين موقف الخارجية من التصعيد الإثيوبي؟

لم يقتصر التفاعل مع التطورات الأخيرة في العلاقات السودانية الإثيوبية على الأوساط السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى حالة من الاستياء عبّر عنها مواطنون ومتابعون للشأن العام، تمحورت بصورة أساسية حول ما اعتبروه غياباً للموقف الدبلوماسي السوداني الواضح إزاء قرار إغلاق القنصلية السودانية بمدينة أصوصا وإبعاد طاقمها.

وفي أحد الأصوات الناقدة لهذا الموقف، برز تساؤل مباشر حول صمت وزارة الخارجية ووزيرها محي الدين سالم، مفاده: إذا لم تغضب الخارجية للسودان في مثل هذه المواقف، فمتى يكون الغضب؟

ويرى صاحب هذا الطرح أن التقديرات العسكرية والأمنية تظل من اختصاص قيادة القوات المسلحة، ولا ينبغي التدخل فيها، لكنه يعتبر أن الرد الدبلوماسي مسؤولية أصيلة لوزارة الخارجية، وأن حماية كرامة الدولة ومكانتها لا تقل أهمية عن حماية حدودها.

ويذهب هذا الرأي إلى أن إغلاق قنصلية وطرد دبلوماسيين سودانيين يستدعيان موقفاً واضحاً، سواء عبر استدعاء السفير الإثيوبي، أو استدعاء السفير السوداني من أديس أبابا للتشاور، أو اتخاذ إجراء دبلوماسي مماثل وفق الأعراف الدولية.

سد النهضة.. الخلاف القديم الذي لم يغادر الطاولة

لا يمكن قراءة التوتر السوداني الإثيوبي بمعزل عن ملف سد النهضة، الذي يمثل أحد أبرز مصادر الخلاف الاستراتيجي بين البلدين.

فالسودان، باعتباره دولة تقع على مجرى النيل الأزرق، ظل معنياً بصورة مباشرة بسلامة تشغيل السد وتبادل المعلومات بشأن الملء والتشغيل، والتنسيق حول سلامة المنشآت المائية وتأثيراتها المحتملة.

ورغم أن الخرطوم لم تكن تتخذ دائماً الموقف نفسه الذي تتبناه القاهرة، فإنها ظلت تطالب باتفاق قانوني ملزم يضمن تبادل المعلومات والتنسيق في إدارة السد، خاصة في أوقات الفيضانات والجفاف والتشغيل الطارئ.

وبالتالي فإن الخلاف حول سد النهضة لم يكن مجرد قضية فنية تتعلق بالمياه، بل ظل ملفاً سيادياً وأمنياً حاضراً في حسابات البلدين.

الفشقة.. جرح الحدود المفتوح

يمثل النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.

فالمنطقة ذات أهمية زراعية واقتصادية كبيرة، وظلت موضع خلاف بشأن الحدود والوجود الزراعي الإثيوبي داخل الأراضي السودانية.

وتجددت المواجهات والتوترات العسكرية حول المنطقة خلال السنوات الماضية، لتصبح عاملاً إضافياً في تراجع الثقة بين الحكومتين.

ومع اندلاع الحرب السودانية، ازدادت حساسية الحدود الشرقية، ليس فقط بسبب النزاعات القديمة، وإنما أيضاً بسبب المخاوف من انتقال الصراعات الإقليمية إلى داخل الأراضي السودانية.

صراعات الإقليم.. هل تتجاوز الأزمة حدود البلدين؟

تأتي الأزمة الحالية في توقيت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي اضطرابات متداخلة، تشمل التوتر الإثيوبي الإريتري، والتجاذبات المرتبطة بإقليم تيغراي، والتنافس على النفوذ والموانئ والبحر الأحمر.

كما أن ارتباط بعض هذه الملفات بالحرب السودانية يجعل أي تصعيد بين الخرطوم وأديس أبابا أكثر خطورة من مجرد خلاف ثنائي.

فإثيوبيا تواجه بدورها تحديات أمنية داخلية، بينما يخوض السودان حرباً مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو ما يجعل فتح جبهة توتر جديدة أمراً بالغ الكلفة على الطرفين.

وتشير تحليلات إقليمية إلى أن تشابك التحالفات والتدخلات الخارجية قد يدفع الأزمة السودانية الإثيوبية إلى مسارات أوسع، إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الموقف.

هل تقترب العلاقات من القطيعة؟

رغم التصعيد الحالي، فإن إغلاق القنصليات لا يعني بالضرورة الوصول إلى مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة، لكنه مؤشر واضح على تراجع مستوى الثقة بين البلدين.

فالخرطوم وأديس أبابا تدركان أن أي مواجهة مباشرة ستكون لها تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية كبيرة، خاصة في ظل الأوضاع الداخلية المعقدة التي يعيشها البلدان.

لكن السؤال الأهم الآن: هل ستظل الأزمة محصورة في تبادل الإجراءات الدبلوماسية والاتهامات، أم تنتقل إلى مستويات أكثر خطورة؟

إن السودان، الذي يخوض حرباً داخلية ويواجه تحديات اقتصادية وإنسانية هائلة، لا يحتاج إلى جبهة جديدة على حدوده الشرقية. وإثيوبيا بدورها ليست بمنأى عن تداعيات أي اضطراب أمني جديد في جوارها الغربي.

 

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى