Uncategorizedمقال الرأي

روسيا والسودان.. شراكة استراتيجية أم رهان على كسر الهيمنة الأمريكية؟

بقلم: صالح عوض (الخفاش)

ظلت روسيا تسعى إلى تعزيز حضورها في القارة الإفريقية منذ وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم، مدفوعةً برغبتها في استعادة مكانتها الدولية ومواجهة النفوذ الأمريكي الذي تعاظم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي بوصفها القطب الأوحد.

ومنذ ذلك التحول الكبير، ظلت مناطق عديدة في العالم، بما فيها الدول العربية والإفريقية، مسرحاً لصراعات النفوذ وتقاطعات المصالح الدولية، بينما بقي السودان، بموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية وإطلالته على البحر الأحمر، محط أنظار القوى الدولية، وفي مقدمتها روسيا.

لم يكن السودان بعيداً عن حسابات موسكو، فقد ظل هدفاً مهماً في استراتيجية روسيا الرامية إلى توسيع نفوذها في إفريقيا. غير أن حكومة الإسلاميين، في بدايات عهدها، رفعت شعاراً شهيراً جمع بين أمريكا وروسيا في سياق خطابها السياسي والديني: «أمريكا روسيا قد دنا عذابها، عليَّ إن لاقيتها ضرابها».

لكن سنوات الحصار والعقوبات الأمريكية، وما صاحبها من ضغوط اقتصادية وتعطيل لمسارات التنمية والإنتاج، دفعت نظام الرئيس عمر البشير إلى إعادة النظر في علاقاته الخارجية، والبحث عن حلفاء جدد يمكن أن يشكلوا سنداً سياسياً واقتصادياً في مواجهة الضغوط الغربية.

وهكذا اتجهت الخرطوم نحو موسكو، وبرزت مساعي التقارب بين البلدين، بما في ذلك التفاهمات المتعلقة بالتعاون العسكري والاستراتيجي، والتي أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط الإقليمية والدولية.

غير أن هذا التقارب لم يمضِ، بحسب قراءة الكاتب، إلى نهاياته المرجوة؛ إذ يرى أن التحولات السياسية التي شهدها السودان، وعلى رأسها ثورة ديسمبر 2018، أسهمت في إجهاض فرص كانت متاحة لتعزيز الشراكة الروسية السودانية.

ومع تعاقب الحكومات والأزمات، دخل السودان مرحلة شديدة التعقيد، تفاقمت خلالها هشاشة مؤسسات الدولة، قبل أن تندلع الحرب التي ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية ومقدرات البلاد، ووضعت مستقبلها السياسي والاقتصادي أمام تحديات غير مسبوقة.

ولولا تضحيات السودانيين الذين تمسكوا بوطنهم ودافعوا عن بقائه، لكان المشهد أكثر قتامة، في ظل ما أفرزته الحرب من دمار ونزوح وانهيار لمرافق حيوية.

الشراكة الروسية.. خيار استراتيجي أم ضرورة سياسية؟

هنا تبرز أهمية الرسائل التي ينبغي أن تضطلع بها السلطة الرابعة في مخاطبة الدولة وقيادتها، وفي مقدمتها ضرورة مراجعة السياسة الخارجية السودانية على أسس واضحة تحفظ المصالح الوطنية، وتمنح البلاد مساحة أوسع من الاستقلال في اتخاذ القرار.

ويرى الكاتب أن السودان مطالب بالمضي قدماً في تعزيز علاقاته مع روسيا، وعدم التراجع عن مسار التعاون معها، باعتبار أن تنويع الشراكات الدولية قد يتيح فرصاً سياسية واقتصادية وعسكرية لا ينبغي التفريط فيها، شريطة أن تقوم هذه العلاقات على المصالح المتبادلة واحترام سيادة السودان.

فالسودان، وفق هذه الرؤية، ليس مضطراً إلى حصر خياراته الخارجية في اتجاه واحد، أو رهن مستقبله بعلاقاته مع واشنطن وحلفائها. بل يمكنه الانفتاح على موسكو وبكين، إلى جانب سائر الدول الراغبة في إقامة علاقات متوازنة تحقق المنافع المشتركة.

لقد أثبتت التجارب أن العلاقات الدولية لا تقوم على العواطف وحدها، وإنما تحكمها المصالح وحسابات القوة. ولذلك فإن المطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، بل بناء سياسة خارجية مستقلة تجعل مصلحة السودان وشعبه في مقدمة الأولويات.

السودان وروسيا.. تقاطع المصالح والمستقبل

إن تعزيز العلاقات السودانية الروسية، إلى جانب تطوير الشراكة مع الصين، قد يمثل أحد المسارات المتاحة أمام السودان لتوسيع خياراته الاستراتيجية، في وقت تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي وموارد القارة.

لكن نجاح هذا التوجه يظل مرهوناً بقدرة الدولة السودانية على إدارة علاقاتها الخارجية بحكمة، وتحويل الاتفاقيات والتفاهمات إلى مشروعات ملموسة تعود بالنفع على المواطن، وتسهم في إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد واستعادة مؤسسات الدولة.

أما الرهان على القوى الخارجية دون امتلاك رؤية وطنية متماسكة، فلن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار، مهما كانت الشعارات المرفوعة أو الوعود المقدمة.

وفي خضم هذه المعادلات، يطرح الكاتب تساؤلات بشأن مواقف القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في الأزمة السودانية، بما فيها إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، فضلاً عن القوى السياسية السودانية التي يرى أنها لعبت أدواراً مؤثرة في المشهد خلال السنوات الماضية.

كما يوجه انتقادات إلى قوى سياسية، من بينها مجموعة «تقدم» و«تأسيس»، معتبراً أن تأثيرها يرتبط بالأزمة السياسية الأوسع التي تعيشها البلاد.

وفي المحصلة، فإن السودان بحاجة إلى سياسة خارجية تنطلق من إرادته الوطنية، وتستفيد من التنافس الدولي بدلاً من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

فهل ينجح السودان في تحويل علاقته بروسيا إلى شراكة استراتيجية حقيقية، أم يستمر في التردد بين محاور النفوذ، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الأزمات؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المرحلة المقبلة.

صوت الوطن نيوز

صحيفة الكترونية مستقلة تعنى بالشأن السوداني ، صوت الوطن مصدرك الموثوق لاخبار السودان والعالم والتحليلات الموضوعية نقدم لكم الحقيقة دون تحيز ، صوت الوطن قلب الشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى